آخر الأخبار :

بين المثقف الوغد والمثقف الزائف

خليل العناني
خليل العناني
2018/05/21 الساعة 10:15 مساءً

فاجأنا المفكر فهمي جدعان بمقال له في "العربي الجديد" (19/5/2018) عن نوعية من المثقفين (؟!) العرب الذين ينكرون على الفلسطينيين حق الدفاع عن أرضهم، وأطلق عليهم "الأوغاد".

وليست المفاجأة في النعت الذي أطلقه جدعان على هذه الفئة من المثقفين وصانعي الرأي، فلربما استحقوا أكثر منها، ولكن كونها تأتي من مفكر رصين بحجم الدكتور جدعان، صاحب المؤلفات والرؤى الفكرية والفلسفية التي تربّى عليها جيل من الكتاب والباحثين العرب، ومنهم كاتب هذه السطور. وهو ما يعكس حجم الإحباط والأسى الذي أصاب أستاذنا ومفكرنا مما أصاب مجال الفكر والثقافة في العالم العربي.

شخصياً لم يعد يفاجئني انحطاط هذه "العصبة من الأوغاد التي تحتل ساحات الإعلام ومنابع الرأي"، بحسب تعبير الأستاذ جدعان، وقد تجاوزت الشعور بالإحباط كلما تفوّهت أو هذيت هذه "العصبة" بآراء شاذّة، فقد تعودنا عليها إلى الدرجة التي أصبحت لا تلفت الانتباه، أو تستدعي التركيز مع "فرقعات" أصحابها.

كما أن الإفلاس الفكري والثقافي لهؤلاء يجعل من البكاء عليهم أو "العشم" في حكمتهم ورجاحة عقلهم، في غير محلّه. صحيحٌ أن لهم حضوراً إعلامياً طاغياً، إلا أن ذلك لا ينفصل عن طبيعة السياق الذي ينشطون فيه، كي يخرجوا بهذه الآراء الشاذّة. فكثيرون منهم، إن لم يكن جميعهم، مرتبطون بالسلطة، ويدورون مع مزاج أهلها أينما دار. والواحد منهم إن لم يكن مستفيداً منها فهو متزلفٌ لها، وراغبٌ في رضاها، وآمنٌ لشرّها، ولو إلى حين، أو هكذا يعتقدون.

وهو ما يخرجهم من زمرة "المثقفين" الحقيقيين، ليضعهم في فئة "المثقف الزائف". وهؤلاء درجات: فمنهم "مرتزقة الفكر" الذين يوظفون ثقافتهم وإمكاناتهم العقلية في خدمة أغراضٍ شخصية، مادية أو معنوية (المكانة الاجتماعية)، ومنهم "مثقفو السلطة" الذين يقفون على يمين السلطة، لا ليداهنوها فحسب، وإنما لينظروا ويبرّروا فسادها وقمعها، وهم في ذلك "ملكيون أكثر من الملك"، ومنهم المتملقون، أو "المطبّلون" بالتعبير الشعبوي المصري، الذين لا يملكون فكراً، وإنما يمتلكون لساناً طويلاً ينافق ويداهن من أجل المال والشهرة.

ومن كثرة انتشار هؤلاء وحضورهم في المجال العام، المكاني والافتراضي، لم يعد اكتشافهم صعباً، ولم يعد تصنيفهم ووضعهم في واحدةٍ من الفئات المشار إليها أمرا محيّراً، فعلامات حضورهم واضحة، ويمكن الإشارة إلى أربع منها: أولها، يدّعي هؤلاء "المثقفون" أنهم يحملون مشعل الحداثة والتنوير، ويمارسون ليس فقط نزقاً فكرياً وفلسفياً، وإنما يدّعون السمو والتفوق الأخلاقي على ثقافتهم وتراثهم ومجتمعاتهم.

وقد أسماهم صاحب هذه السطور، في مقال سابق، "المستشرقين المحليين" أو الاعتذاريين الذين يمارسون جوهرانيتهم على بني جلدتهم.

ولكن حداثتهم وتنويرهم يقفان عند حدود ممالأة السلطة، وليس نقدها. ثانيها، يمثل نقد الدين (وليس فقط التديّن)، والهجوم عليه بالنسبة لهؤلاء، جواز مرور إلى المجال العام، وكسب الشهرة، من خلال إطلاق تصريحاتٍ واتخاذ مواقف شاذّة.

وقد بنى كثيرون منهم أسماءهم وشهرتهم وثرواتهم، ولا يزالون، من هذا الباب. وهو ما يعكس ليس فقط عجزاً وإفلاساً فكرياً، إنما يعكس أيضا تراجعاً وانحطاطاً أخلاقياً.

لذا فكثيراً ما تحتفي بهم المنابر الإعلامية التي تحتقر الدين، ومن يمثلونه، أو تلك التي تمولها جهات خارجية غارقة في الإسلاموفوبيا. ومن هؤلاء الشاب المصري الذي صنع شهرته من الطعن في صحيحي البخاري ومسلم.

وذلك الصحافي "اللامع" صاحب الحمّالات الشهيرة الذي انتقل من الحديث في السياسة إلى الإفتاء في الدين، باعتباره ملعباً مضموناً بعيداً عن أعين السلطة. وذلك الذي بدأ يقدّم نفسه للغرب باعتباره "مثقفاً" تنويرياً، يأخذ على عاتقه مهمة تجديد الخطاب الديني.

أو الطبيب الذي يشمئز من كل ما له علاقة بالدين، حتى ولو كان دعاء "ركوب الطائرة" و"الذهاب إلى الخلاء". أو الصحافي الشهير الذي استهزأ بلحية لاعب الكرة المصري محمد صلاح، وطالبه بحلقها.

وثالثها، تمثل قضية فلسطين وشعبها بالنسبة لهؤلاء المثقفين "المزيفين" "كبش الفداء" و"حائط المبكى" الذي يعلقون عليه خيبات بلادهم وحكوماتهم. وهم لا يتوقفون عن ممارسة التنظير والاستعلاء على الفلسطينيين، كأن يلوموهم على ما وصلت إليه أوضاعهم، أو يعايروهم بما قدّمته حكومات بلادهم للقضية الفلسطينية، بلغةٍ رخيصةٍ لا تخلو من نذالة. في حين يذهب بعضهم أكثر من ذلك، حين يبرّر ما تفعله إسرائيل بحق الفلسطينيين، وهم ينتمون لتيار أسماه مقال سابق لكاتب هذه السطور تيار "المتصهينين العرب" الذين يتبنون مقولات إسرائيل ومنطقها في التعاطي مع المسألة الفلسطينية.

ورابعها، يدّعي هؤلاء "التنويريون" المزيفون أنهم يتبنّون الليبرالية، في حين أنهم على أتم الاستعداد للتحالف مع الأنظمة السلطوية، بما فيها الفاشية العسكرية، ويدافعون عن إجراءاتها القمعية في مواجهة خصومهم، خصوصا من التيارات الإسلامية. وهم هنا يتبنّون ليبرالية زائفة لا تقترب من عتبة الاستبداد بكلمة أو نقد.

ولا يضيرهم هنا أن يصل الاستبداد إلى منتهاه، ولو على حساب حريات خصومهم وأرواحهم.
هذه بعض صفات "المثقفين" العرب الذين يهيمنون الآن على سوق الكلام، ويسعون إلى احتكار الحديث باسم الثقافة والفكر، في حين أنهم ليسوا سوى مجرد بائعي أوهام، أو أوغاد كما أسماهم الدكتور فهمي جدعان.