آخر الأخبار :

هذه المبادرة الفرنسية بشأن ليبيا

خيري عمر
خيري عمر
2018/05/29 الساعة 01:27 صباحاً

تبدو السياسة الفرنسية أمام تحولات مفصلية في سياستها تجاه ليبيا، فلم تتوقف عند طرح مبادرة في يوليو/ تموز 2017، ولكنها تحاول تقديم صياغات أخرى تسعى من خلالها إلى تطوير نفوذها في الشؤون الليبية، عبر انعقاد مؤتمر دولي بشأن ليبيا غدا (29/5/2018)، غير أن كثرة تعديلات المقترحات الأخيرة تثير التساؤل عن قدرة فرنسا على توطيد سياستها ومصالحها في مواجهة تناقض المصالح الدولية والإقليمية.

تعمل فرنسا، في الوقت الراهن، على تطوير مقترح للحل السياسي، شهد سبعة إصدارت، جديدها المسودة السابعة (22 مايو/ أيار 2018)، ويلاحظ أن العوامل المشتركة يينها تقوم على عدد من النقاط، أبرزها ‎تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية بحلول نهاية عام 2018، وإعادة فتح سجل الناخبين لإتاحة الفرصة لتسجيل ناخبين آخرين، واحترام نتائج الانتخابات.

ومن العوامل المشتركة ما يتعلق بتوسيع تمثيل المؤسسات الليبية، بحيث تضم رئيس مجلس النواب، فايز السراج، وممثلا عن المجلس الأعلى للدولة، وخليفة حفتر بصفته قائد الجيش الليبي، ما يشكل سابقة في التعامل مع المسألة الليبية، حيث لم تلتق كل هذه الأطراف في اجتماع واحد منذ احتدام الأزمة في يونيو/ حزيران 2014. وعلى الرغم من أن محاولات جمع ممثلي المؤسسات الليبية توفر التمثيل القانوني، لكنها تواجه تحدي توفر الضمانات السياسية لنجاح الانتخابات، فهناك كيانات سياسية وعسكرية كثيرة لا تعمل تحت السلطات القائمة، أو غير مندمجة في مؤسسات الدولة، وهنا أهمية تفعيل المسارات المتعلقة بتوحيد الجيش ودمج المسلحين.

وبشكل عام، تعكس المقترحات قبل الأخيرة وجود طابع احتكاري في السياسة الفرنسية، سواء بإقرار البرلمان للتعديلات الدستورية في فبراير/ شباط 2014، لتمهيد الطريق إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية، على الرغم من بطلانها من المحكمة العليا، وهو ما يعكس الوجه الآخر لاستبعاد الاتفاق السياسي من التأسيس للمرحلة المقبلة، وعدم توفر الحد الأدنى من المصالحة، أو في استبعاد خالد المشري، على الرغم من قبول بلدان أوروبية كثيرة التعامل معه باعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للدولة، وعلى الرغم من استدراك فرنسا هذا الواقع، لكنها ما زالت غير حاسمة في القبول الكامل بتركيبة السلطات الليبية.

وعلى الرغم من غلبة الطابع الوصفي عليها، فإن إحاطة المبعوث الأممي، غسان سلامة، في 21 مايو/ أيار الجاري، تكشف عن انهيار السلطة المحلية، وغياب فاعلية التدخل تحت مفهوم مسؤولية حماية المدنيين في درنة، حيث اقتصر على القيام بالمساعي الحميدة والتوسط في حل النزاع، وذلك على الرغم من الإقرار بأن عمليات "الجيش الوطني اللبيي" أدت إلى قتل مدنيين عديدين، وتعرّضهم للحصار والنزوح، وذلك إلى جانب غياب السلطة اللازمة، في سبها، لضمان وقف إطلاق النار بين الجماعات المسلحة للسيطرة على مرافق الدولة.

وقد أشارت كلمة سلامة إلى عدم القدرة على التصدي لمعضلتين، إعادة الاتفاق السياسي ليكون محور العملية السياسية، وصعوبة إجراء استفتاء على الدستور، وحاول معالجة هذا الفراغ من خلال إصدار قانون للانتخابات.

ما يمكّن من معالجة ظاهرية لا تتصدى لجذور الأزمة وخلفياتها، كما يعكس، في الوقت نفسه، إتاحة الفرصة للمقترحات الفرنسية، فباستثناء الحديث عن التطلع إلى دولة موحدة، اتسمت إحاطة سلامة، بقصص الصراع والحوار الوطني، من دون تحديد الخطوات اللازمة للخروج من المرحلة الانتقالية، سوى الحديث عن الانتخابات، وتأمين الحدود الجنوبية، وتوصيات أخرى تفتقر للموقف السياسي الواضح.

كانت المقترحات الفرنسية وإحاطة المبعوث الدولي تتسم بالخلاف مع السياق الدولي، وخصوصاً ما يتعلق بالدستور أو قانون الانتخابات، فقد سار موقف المجموعة الرباعية (جامعة الدول العربية، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة) في 30 إبريل/ نيسان 2018 باعتبار مشروع الدستور في يوليو/ تموز 2017 وثيقة أساسية للوصول إلى توافقات واسعة النطاق بين الليبيين، لإمكانية إجراء استفتاء دستوري، كما كانت أكثر مرونةً عندما اكتفت بالإشارة إلى توفر الإطار القانوني اللازم، بما يترك للسلطات الليبية حرية وضع ضوابط الانتخابات. فقد ركزت كلمة نائب المندوب البريطاني في الأمم المتحدة (21 مايو/ أيار الجاري) على أن إجراء الانتخابات يشكل الأرضية الملائمة للخروج من الأزمة السياسية، كما أشاد بمسارات الملتقى الوطني واتساع قاعدة الناخبين، وهو ما يتلاقى مع بيان دول جوار ليبيا في الجزائر (21 مايو)، في البند الرابع لأهمية توافق الليبيين على الخروج من المرحلة الانتقالية، وإعلاء المصالحة الوطنية، وليس التدخل لترجيح فرص أحد الأطراف.

وفي سياق هذه الأحداث، شهدت المسودة السابعة للمبادرة تعديلاتٍ كثيرة، اعتبرت فرنسا أن نجاح الانتخابات يرتكز على توفر الضمانات الوطنية الليبية، وهي رؤية قريبة من المبادرات الدولية الأخرى، البريطانية التي ترى أولوية توفير الضمانات الداخلية؛ الاجتماعية والأمنية، وهذا ما يتلاقى مع مواقف المجموعة الرباعية الدولية التي تدعو إلى توفير تدابير بناء الثقة والارتكاز على توافق الليبيين، لتجاوز حالة الانسداد السياسي.

قد يعكس تزامن انعقاد اجتماعي دول جوار ليبيا ومجلس الأمن في 21 مايو عوامل القلق من اختلاف المنظور الدولي والإقليمي تجاه المسار السياسي في ليبيا، فعلى الرغم من التلاقي على الانتخابات حلاً أخيراً، فإن سياسات الوصول إليها شهدت خلافاتٍ جوهرية، غير أن أهمية التزامن تساعد في تفسير التعديلات الجوهرية على المقترحات الفرنسية، بحيث تتقاطع مع تطلعات دولية أخرى، وخصوصاً ما يرتبط بأولوية توحيد المصرف المركزي وفتح الطريق أمام احتمال الاستفتاء على الدستور.

من المرجح أن تكون التعديلات الواسعة على المقترح الفرنسي استجابة للمواقف الدولية، لكنها لا تعني حدوث تغيرات جوهرية في السياسة الفرنسية تجاه ليبيا، فالملاحظ أن السياسة الفرنسية تعمل على مسارين. تحاول على الأول التغلغل في السياسة الليبية من خلال تكوين تحالف بين حفتر وأنصار النظام الجماهيري، بحيث يكون الحاضنة المدنية لمشروع عملية الكرامة، كانت باكورة هذا التحالف في "الملتقى التحضيري للقوى الوطنية" (بنغازي، 13 مايو/ أيار 2018)، حيث تضمن البيان الصادر عنه الدعوة إلى الحل السياسي والمصالحة ودعوة ضباط المنطقة الغربية للانضواء تحت القيادة العامة. وفي المسار الثاني، تعمل فرنسا على توطيد نفوذها في ليبيا عبر التمدّد في قطاع النفط على حساب المصالح الإيطالية، وتقديم الدعم لكيانات عسكرية وجهوية لحماية مصالحها، وهو ما يترافق مع نشوب صراعات جهوية، وخصوصا في جنوب البلاد.

لا يشكل التدخل الفرنسي في ليبيا حالة مختلفة عن سياسات الدول الأخرى، سوى أنه يبني تحيزات تؤدي إلى زيادة الاستقطاب في الانتخابات، وتطوير فكرة تقاسم الدولة، كما أن التطلعات المتوسطية لفرنسا تثير قلق إيطاليا ودول جوار ليبيا من الطبيعة الإحلالية للسياسة الفرنسية.

تمكن قراءة تعديلات مشروع المبادرة من زاويتين: وجود رغبة فرنسية في ترقية دورها في ليبيا عبر تحقيق الحد الأدنى من انعقاد المؤتمر، ما يتمثل في وضع السياسة الفرنسية في مقدمة العوامل المؤثرة في الشؤون الليبية. أن فرنسا لم تستطع تجاوز مصالح الدول الأخرى، وبالتالي، يمكن أن يشكل انعقاد مؤتمر باريس فرصة لتطوير الحل السياسي.