آخر الأخبار :

تونس.. قضايا خلافية في توقيت خاطئ

سمير حمدي
سمير حمدي
2018/07/06 الساعة 11:50 مساءً

قدّمت أخيرا (في يونيو/ حزيران 2018) لجنة الحرّيات الفردية والمساواة تقريرها إلى رئيس الجمهورية. وكما كان متوقعا، تضمّن مقترحات بشأن تعديل قوانين وتشريعات تندرج ضمن مجال الحريات الشخصية. وتضمّن أيضا مقترحات بشأن تعديل قوانين سارية المفعول في تونس، تتعلق بالأسرة وقوانين الأحوال الشخصية، وبشكل يُصادم الوجدان الديني، ويناقض التوجهات المجتمعية في تونس، على الأقل لدى قطاع مهم من الرأي العام، وهو ما يشكل بالفعل نزوعا نحو إثارة صراعاتٍ بشأن مسائل عقدية وقضايا الهوية التي ما زال المشهد الثقافي والفكري التونسي يخوض فيها منذ سنوات الاستقلال.

ويقوم التقرير على اقتراح إلغاء كل خصوصيات التشريع الإسلامي، بدعوى الانتصار لكونية القيم الإنسانية والحقوقية، ففي مجال الأسرة تقترح اللجنة جعل المهر اختياريا، خطوة أولى نحو إلغائه تماما. كما تم اقتراح حذف مفهوم ولاية الرجل، لتصبح رئاسة الأسرة متساويةً بين الرجل والمرأة. وفي إطار تدعيم هذا الاتجاه، جاء مقترح حقّ الأشخاص الذين بلغوا سنّ الرّشد في حمل لقب الأم إلى جانب لقب الأب، وذلك بطلب منهم، ويتولّى القاضي الإذن بتسجيل ذلك. كما تقترح اللجنة أن يصبح الأصل هو المساواة بين الذكور والإناث في الميراث.

ولمن شاء خلاف ذلك أن يصرّح، في قائم حياته، بأنّه يختار توزيع تركته، استنادا إلى "للذكر مثل حظّ الأنثيين"، شرط أن يكون التصريح بحجّة رسمية، حرّرها عدل إشهاد. وبذلك يتم استبعاد النص الشرعي، وجعله مجرّد حالة استثنائية لمن يرغب في الاستناد إليها. وتقترح اللجنة، في تقريرها، إلغاء كل العقوبات المتعلّقة بقضايا البغاء، حيث اقترحت تعويض العقوبة سواء بالنسبة للنساء العاملات في الجنس (كما يسميهن التقرير) أو الحرفاء من عقوبة بالسجن إلى خطية مالية. وبهذا المنحى، يسير القانون المدني التونسي نحو السماح بالبغاء، ليصبح محميا بقوة القانون، بوصفه يندرج ضمن الحريات الخاصة والفردية. 

وإذا كان التقرير يتضمن مقترحاتِ يمكن تثمينها في ذاتها، إلا أنه أثار لغطا كبيرا في المشهد العام، وخلّف ردود فعل متباينة، سواء من خلال الردود التي صدرت عن المختصين في الشريعة (بيانات أساتذة جامعة الزيتونة)، أو من خلال حالة الرفض التي أبداها جانب مهم من المتابعين، كما تجلى في الجدل الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي. وأبدى أعضاء اللجنة التي أصدرت التقرير سخطا إزاء ردود أفعال الشارع، معتبرين أصحابها أقرب إلى التصورات الداعشية المناهضة للحداثة والعصرنة، غير أن أي مراقب موضوعي يمكن أن يتفهّم حالة التشنج التي أبداها الشارع إزاء ما ورد في التقرير، بالنظر إلى جملة من العوامل التي ربما أهملت اللجنة منحها ما تستحق من عناية، فهذه المسائل التي يحاول التقرير الدفع نحو مجاوزتها عبر صياغة مدونة قانونية جديدة، متحرّرة تماما من حضور النص الديني، لا تراعي أن أعرافا كثيرة تسعى إلى إلغائها، إنما هي جزء من النسيج المجتمعي ذاته، فقضايا المهر والميراث ليست مجرد مسألة قانونية يمكن إلغاء العمل بها، بقدر ما هي جزء من بنية الوعي العام.

وإذا كان المتعارف عليه أن القانون يأتي لتنظيم نزوعات غير شرعية، وإقرار حقوق منتهكة، فإن من الصعب أن يدرك العقل اليومي كيف يمكن أن يكون التخلي عن المهر مسألةً حقوقيةً، أو أن يكون التخلي عن تجريم البغاء جزءا من الحريات الفردية، فالأولويات المجتمعية للشارع التونسي في هذه المرحلة لا تتقاطع مع توجهات اللجنة التي ظهرت في ثوب الوصي الذي يريد فرض توجهاته الفكرية، عبر قوة الدولة، ومنح تصوراته لمعنى المنظومة الحقوقية الكونية معنى شموليا ضد ما استقر في الضمير الجمعي من تشريعاتٍ مرتبطةٍ بالسياقات الدينية، ولا يمكن القفز فوقها بسهولة، مهما كانت الشعارات التي ترفعها اللجنة، فأولويات الشارع التونسي حاليا لا تتعلق تحديدا بقضايا المهر والميراث، وتشريع البغاء، والدفاع عن المثلية، بقدر ما هي أولويات اجتماعية اقتصادية، ترتبط أساسا بقضايا التشغيل والأمن والعدالة بين الجهات.

وهنا يمكن الاستناد إلى ما ورد في استطلاع المؤشر العربي، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيث يكشف أن 80% من التونسيين يقيّمون الوضع السياسي في بلادهم بأنه سيئ، وتصل نسبة الذين لا يكفيهم دخلهم الأسري لتغطية احتياجاتهم الأساسية إلى 55%، فيما يؤكد 79% من المستطلعة آراؤهم أن الفساد منتشر بصورة واسعة في بلادهم. وتؤكد هذه النتائج التي تقترب كثيرا من واقع المشهد العام في البلاد أن أولويات المرحلة بالنسبة للشعب التونسي لا تتعلق بما يطرحه التقرير، بقدر ما تتخذ توجها عاما نحو مزيدٍ من تجذير الإصلاح السياسي، وبناء دولة توفر الأدنى من الظروف المعيشية الملائمة لمواطنيها. ومن هنا، يمكن التأكيد قولا واحدا إن المقترحات الصادرة عن لجنة الحقوق والحريات الفردية تتنكّب عن المطالب الفعلية للناس، وتسير إلى بحث قضايا هي أقرب في اللحظة الراهنة إلى نمط من الترف الفكري الذي تقتات عليه نخبٌ بورجوازيةٌ، لا يشغلها قوتها اليومي، بقدر ما تسعى إلى إقرار أجندات متصلة بتوجهاتها الفكرية والسياسية، من دون أن يعني هذا الكلام عدم الحاجة إلى مزيد من بناء منظومة قانونية، تحفظ للجميع حقوقهم، وهو ما يستحق جهدا كثيرا، ومشاورات مجتمعية واسعة، فالمسائل القيمية ليست مما يمكن تغييره بين عشية وضحاها بمجرد قرار رسمي، صادر بصورة فوقية مفروضة على الناس.