آخر الأخبار :

ماذا تعرف عن خطيب بدلة؟

خطيب بدلة
خطيب بدلة
2019/01/28 الساعة 08:34 مساءً

من باب الدعابة الجميلة، كتب الصديق الفنان ماهر حميد ما يلي: سافر خطيب بدلة إلى بروكسل، ونزل بضيافة الصديق غريب رجب في "حي اليهود"، وهذا شبيه بوضع ابن رشد الذي فرضوا عليه الإقامة في حي اليهود، باعتبارها نوعاً من "التعزير".. وفور ظهور هذا البوست على "فيسبوك"، علّق عليه أحد الناشطين بقوله: لا أحب هذا الكاتب، لم ينزل لي من زُوْرْ.

عندما قرأتُ هذا التعليق، خطر لي أن أكتب له: أنا أحبك من طرف واحد.. ولكن، بعد أقل من دقيقتين، تدخّل شخص آخر، وعلّق قائلاً: مع احترامي لك، أنت لا تعرف كيف وُجِدَ هذا الكاتب التافه، ففي يوم من الأيام عقد القاصّ سعيد حورانية، والناقد السينمائي سعيد مراد، اجتماعاً مغلقاً، تداولا خلاله في ضرورة إيجاد كاتبٍ ساخر شيوعي، فطلع معهما، في نهاية الاجتماع هذا الـ خطيب بدلة، وهو، بدوره، صَدَّقَ نفسه، وتقمص شخصية "ماياكوفسكي".
في الأوساط الثقافية السورية يوجد خلاف دائم على أهمية الأجناس الأدبية، بين مَنْ يقول إن الشعر هو الأفضل، والأرقى، والأكثر أهميةً، باعتباره ديوانَ العرب، ومَنْ يرى أن الرواية تتربع على عرش الآداب والفنون، ويضرب مثلاً نجيب محفوظ وحنا مينة وفواز حداد، ويضيف أن الرواية من الآداب الحديثة، الصعبة، بدليل أن دستويفسكي أمضى عمره في تأليف رواياته، وماركيز استمر عشر سنوات وهو ينحت عوالمَ روايته "مائة عام من العزلة". وثالث يحكي عن أهمية القصة القصيرة، ويحكي عن تشيخوف ودينو بوتزاتي ويوسف إدريس وزكريا تامر وإبراهيم صموئيل. وهنالك رأي يفضل المسرح على بقية الأجناس الأدبية، ويستشهد بأبي خليل القباني وسعد الله ونوس.

ولكن، ومن أكثر الأمور غرابةً، أن ابن بلدنا الذي يترجم بعض الكتب عن الإنكليزية يفضل الترجمة على الأجناس الأدبية مجتمعةً، كما يعتبر نفسه الأفضل بين المترجمين عن مختلف اللغات.. إلى هنا والأمر عادي، إذ يمكننا أن نعتبر رأيه قابلاً للمناقشة، وأن فيه وجهة نظر منطقية، بالاستناد إلى ما تقدّمه الترجمة من فوائد للناطقين باللغة المُسْتَهْدَفَة. ولكن المضحك أن هذا الرجل يعطي لنفسه الحق في تقريع الأدباء الآخرين، وتوبيخهم وتهزيئهم. وأما حكايتي مع هذا الرجل فتستحق أن تُروى بالفم الملآن، وهي أنني قبل نحو أربع سنوات، كنتُ أتصفح "فيسبوك" فوجدتُ له منشوراً يوبّخ فيه أدباء سوريين كثيرين، ويستصغرهم، حتى يصل إلى اسمي فيقول: وهناك واحدٌ يكتب قصصاً قصيرة سمجة اسمه خطيب بدلة.

حقيقة أن هذا المترجم كان صديقي فترة طويلة، فقد كنا نلتقي ضمن مجموعةٍ من المثقفين والمشتغلين في حقول الأدب. لذلك استغربتُ عدوانه المفاجئ عليَّ. ولأجل ما يسمى "الخبز والملح" الذي كان بيننا راسلتُه على الخاص وسألته: هل تعني ما تقول إن قصصي سمجة؟ فرد عليّ بسرعة، مضيفاً: وتافهة، وسخيفة، وغليظة، ودمها ثقيل، وبايخة، وبغيضة، مثلك. كتبتُ له: ولكنني أهديت إليك وللأصدقاء المشتركين مجموعاتي القصصية الأخيرة، وأنت على ما أذكر شكرتني عليها. فقال: هذا الكلام غير صحيح، أنت قدّمت لي كتابك وأنا ضربته في وجهك، وقلت لك أنا ما عندي وقت أقرأ هذه السخافات.
تتمة الحكاية: لصاحبنا المترجم العظيم رأي يصرّح به، في جلساته الخاصة، ملخصه أن في سورية أديباً واحداً يستحق الاحترام هو سعد الله ونوس. ولكن، من مساوئ المصادفات أن القاصّ أحمد م أحمد كتب على "فيسبوك" أنه حينما أنجز مجموعته القصصية الأولى، في الثمانينيات، زار سعد الله في بيته، فنصحه بالإكثار من القراءة، وأن يستفيد من تجربة خطيب بدلة في السخرية.. فزعل صاحبنا المترجم من المرحوم سعد الله وزوجته فايزة شاويش، لأنها أكّدت صحة هذه الحكاية.