آخر الأخبار :

مناشدات مبلّلة بالعار

فاطمة ياسين
فاطمة ياسين
2019/01/28 الساعة 08:39 مساءً

تنتشر على صفحات الميديا صور جماعية وفردية لمعاناة سوريين يقطنون في مناطق النظام.. حشودٌ كبيرةٌ تتجمع حول سيارة توزيع الغاز، أو سيدة تعدّت السبعين، وفي عينيها خيبة أمل، بعد فشلها في الحصول على كميةٍ من وقود التدفئة، بالإضافة إلى القصص المروّعة عن حالات تجمّدٍ بين الأطفال، أو عائلاتٍ مشرّدة تسكن في أماكن مزرية. أما جديد القصص فكان موتاً جماعياً لأطفالٍ قضوا حرقاً وسط فوضى انقطاع التيار الكهربائي.. اختلط ذلك كله أخيرا برسائل من فنانين، أو شخصيات عامة، تشرح معاناة الناس، مع تحميل تلك الرسائل كميةً كبيرةً من العواطف وشحنها بتوصيفات حسّيةٍ مؤلمةٍ عمّا يكابده السوريون، وتتوجّه تلك الرسائل مباشرة إلى أعلى هرم النظام، وأحيانا بالاسم.

تمرّ هذه الرسائل أو الصور يوميا بين الناس، ويتم تناقلها في حسرة وأسى على كل من يعاني. وينبري قطاعٌ من المشتكين على لوم الحكومة، أو شتمها، ويذهب بعضهم بعيداً إلى حد المطالبة بإقالة وزير من هنا أو هناك، وصولاً إلى المطالبة بإقالة الحكومة عن بكرة أبيها، من دون التعرّض، من قريب أو بعيد، إلى شخص الرئيس، وكأنه يعيش في كوكبٍ منفصل، ولا يتواصل بأي طريقةٍ مع ما يجري على الأرض، فتتطوّع الرسائل لتنقل له نقلاً "موضوعياً" مباشراً.

يرغب النظام بأن يقول إن البلاد تعاني من مشكلات خدميةٍ وخدميةٍ فقط. وتظهر هذه المشكلات بين شرائح المؤيدين. ويمكن للتلفزيون الرسمي أن ينقل مباشرةً وقائع حريقٍ وقع في دمشق، أو زيارة مسؤولٍ إلى مكانٍ مزرٍ يصوره بكل تفاصيله البائسة، كما ينقل آلام الناس التي تئن تحت الواقع الخدمي الموجع، هذه سورية الموجوعة بنقص كل السلع الضرورية للحياة هي سورية التي تفيد النظام. أنجز النظام معركته مع "الإرهابيين"، وكسبها تقريباً، ويمكنه أن يتلقى كل جمل المديح الممكنة. أما تأمين الضروريات فهي مهمةٌ فوق واقعية، بحاجة إلى الكثير، ولا تستطيع دولةٌ خارجةٌ من حرب أن تؤمنها، ولو كانت حربها ناجحة. وعلى الجميع أن يتحمّل، ويمكنه أن يوجّه رسائل لوم إلى الحكومة ورسائل مناشدة إلى "سيادة الرئيس". أما الواقع الكارثي فلا يستطيع أحد تغييره.

يقف النظام السياسي في سورية الآن كالهيكل العظمي، وهو يتمتّع بموارد اقتصادية قريبة من الصفر، وواقعه العسكري أشد بؤساً، وهو يعتمد على دعم جويٍّ روسيٍّ، ودعم أرضي إيراني، وتتكفل إيران بتمويل اقتصاده بشكل هزيل، ويستخدم الطرفان (الروسي والإيراني) هذا النفوذ الهائل لتحقيق مزيد من المكاسب. يتأجج التنافس بينهما بصمت، وأحاديث تدور عن اشتباكاتٍ بالذخيرة الحية بين القوى المحسوبة على كل طرف، وتزويد المواطن بالأساسيات يخضع لمزيدٍ من الابتزاز، ويتدخل عامل الهجوم الإسرائيلي ليرجّح كفةً على أخرى، فبعد أن خمدت حدّته فترة قصيرة، أعقبت إسقاط الطائرة الروسية، وزوبعة إس 300، عاد القصف الإسرائيلي ليتكرّر وبقوةٍ وتواتر أكبر لتقصف إسرائيل أماكن النظام الحميمة، وباعترافٍ إسرائيليٍّ لم يكن يتم بهذه الوقاحة فيما سبق، يترافق مع صمت أطقم الصواريخ الروسية التي يطبّل الإعلام بمقدرتها ومدى تفوقها..

قوت الناس هو الورقة الجديدة التي يتم اللعب بها، لكسب المزيد من سورية المفيدة، وكل طرف يريد الجانب الأكثر فائدة. ويمكن أن يتم تجويع الناس والتقتير عليهم، مع ضخّ المزيد في المعاناة الخدمية، من دون التطرّق إلى أن المأزق السوري سياسي بالأساس، وسياسي فقط. وليس هناك داعٍ للحديث عن الإمكانات الطبيعية السورية، فهي معروفةٌ وقادرةٌ على سد حاجات كل السوريين، ولكن بإدارة سياسية صحيحة، وتوزيع عادل، وهو ما قامت الثورة في الأساس لأجله، قبل أن تتحوّل إلى مجرد صراعٍ عسكري، اقترب النظام وأعوانه من حسمه.. الرسائل البائسة التي يرسلها بعضهم مبللة بالعار، فهي تناشد وتبتهل، وتلوم أحياناً الشخص العاجز عملياً عن تحريك ساكن.