بحص من الجولان بالتراب البلدي

أحمد عمر
أحمد عمر
2019/04/11 الساعة 05:46 مساءً

فزع إليّ صديقي الشاب نوري، بعد ضمّ ترامب الجولان إلى حضن إسرائيل، من غير مأذون ولا شهود، ليس لأنه يحبُّ الجولان، وكان يمكن له أن يحبها لو بثّ النظام أفلاماً عن مائها وهضابها وثلوجها، ولم يفعل النظام قط، خوفاً من أن نحبَّ الجولان، بل لأن نوري يريد أن يفهم مغزى العرض السوري الرسمي. جاء يسألني عن رأيي في الجبهة التي فتحها، بعد أن سجّل ترامب احتلال الجولان العرفي في الشهر العقاري، وجهّز المذيعة ربى الحجلي، كي تقود حملة عسكرية، أولها عندنا وآخرها في منابت الزيتون لإعادة الجولان المحتل، فقد طاب الرقص، يا عرب، فحملت عدّة الحرب السورية للقتال وهي البوق، ووقفت على ربوةٍ حالمةٍ بالمجد والغار، وصاحت: يا رفيق حسن.. صباح النصر يا حسن.. فكأن الرفيق حسن هو القعقاع بن عمرو التميمي، وكأننا لسنا في عصر الماسنجر والواتس وسواهما، ولا أعرف حتى الآن لمَ استخدمت البوق؟ وأظنّ أنَّ سبب ذلك أن البوق كان سلاح النظام الاستراتيجي الفرويدي.

وكانت الجبهة التي فتحتها زنوبيا الثانية دبكةً وحفلة تصفيقٍ، اجتمعت فيها قيادات الجيش الحزب والثورة حول قصعة مُلئتْ بترابٍ قيل إنه من الجولان، وزُرع فيه العلم السوري، ولم تزرع فيه صورة الرئيس السوري، كأنّ أصحاب الوليمة يدركون أنها إهانة للسيد للرئيس، يُهان العلَم، أما الرئيس فيجب أن يبقى كريماً وعرضُه موفورا وحظّه صيّنا. ووقتها وصلتُ إلى تقسيم جديد لأنواع الدولة العربية، أضفتُها إلى تقسيمات محمد عابد الجابري: العقيدة والغنيمة والقبيلة، فأضفت إليها دولة الوليمة. وكان سؤال نوري عن الردِّ السوري الحازم، فقد عُلّقتْ شاخصاتٌ على الطرق، تقول: الجولان لنا والأسد قائدنا، وهذه بتلك، الردود الحازمة جعلت العدو يولي الأدبار، ويلجأ إلى الملاجئ!

ردَّ السيد وزير الخارجية السوري، على ترامب، رداً يشبه همسات آخر الليل البهيم، والبهيم هو الليل، وكان قد حذف قارة أوروبا من الخريطة، وقد حذف الأسد الجولان مهراً للعرش، وحذف سيادة سورية لصالح روسيا وإيران، فتكلم وكأنه مهندس عوازل، فقال: إنّ عزلة أميركا زادت.. ولو كنت بجانبه لوضعت يدي من ظهرها على كرشه الأشم، وليس على جبينه، وقلت: حرارتك مرتفعة، وهذا بتعابير الكوميديا المعاصرة المقتبسة من "شاهد ما شفش حاجة": الرجل بُرعي. ويُنصح بعدم أكل السمك والبيض، لكن الحشيش ضروري للعيش تحت ظلال الأبواط.

سخر صحافي إسرائيلي، فقال للمقاومين إنه مستعد لإرسال عدة كيلوغرامات من التراب السوري. إذا صدق وأرسل التراب في طرد بريدي، فقد يجعل النظام السوري منه هدايا في علبٍ لأمهات ضحايا الجيش "الباصل"، حتى يُشمَّ مثل الشعلة. وكان التلفزيون السوري قد أحضر قصعةً ملأها بالتراب، وعقد حولها عرساً، ولا نعلم هل هو تراب جولانيٌّ أم تراب مغشوشٌ من إدلب، وفوق التراب تراب. وجاءت ردود أخرى، قال أذكاها، وهو تصريحٌ لتوفيق عكاشة السوري المنتخب بملقط الفحم. لم ينكر الحدث مثل السيد قشطة، بل اعترف بإعادة رفات الجندي الإسرائيلي بعد أربعة عقود، لأنّ سورية أرض طاهرة، فكيف كنا نعيش سبعاً وثلاثين سنة في أرض مدنّسة، تبث الإشعاعات المدنّسة المسرطنة للشعور الوطني.. التراب حلال على الأحياء، حرام على الأموات؟
قلت لنوري: هذا هو النضال بالتيمّم، أو ما يمكن أن نسميه ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالبوق. إن ثمن إعادة الرفات هو تمديد إيجار القصر الجمهوري، كما أنه عربون إخلاص لقتله مليون سوري وسورية.

قال نوري: إنّ فكرة قصعة التراب لا تخلو من ذكاء. لا بد أن وراءها الشيف أبلة نظيرة. فقلت: "أوسعتهم سبّاً وأودوا بالإبل". ليت الأسد يفعلها مع إدلب، وليت الأسد يأخذ قطعة من الكرسي وبلاطة من القصر الجمهوري ويرحل إلى أمواله في بنما.

وكان ياسر عرفات يعيّر الحكام العرب بأنه الزعيم الوحيد الذي علق تراب فلسطين بنعله، ولم يكن يعجبني هذا القول، فلم أجد بطولةً في أن يتباهى زعيم فلسطيني بتراب علق في نعله. كان يجب أن يحضر صاعاً منه، ويعرضه في قصعة، ويعقد حولها دبكة مثل أصحاب البوق.
ألم ترَ كيف فعل ربّك بأصحاب البوق.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص