ليس دفاعاً عن المركز العربي

بشير البكر
بشير البكر
2019/07/13 الساعة 06:35 صباحاً

لا يحتاج المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى من يدافع عنه، لأن المنجز الكبير الذي حققه كفيلٌ بالرد على الحملات التي تستهدفه منذ تأسيسه قبل تسع سنوات. وبات دارجا أن يتعرّض هذا الصرح المعرفي للهجمات المركّزة، كلما تقدم إلى الأمام، وقطع شوطا على طريق رسالته الحضارية، إلا أن المركز لم يخضع للابتزاز، ولو قبل اللعبة لما كان اليوم يعد أحد أبرز مراكز البحوث في العالم العربي، وصار مرجعا مسجّلا لدى مراكز البحث الدولية، لما له من مصداقية بناها مهنيا قبل كل شيء. والمهنية هنا تعني أن هذا الصرح الذي أسسه الدكتور عزمي بشارة اشتغل على أسس، ووفق معايير تعتمدها المؤسسات البحثية الدولية المرموقة، وكانت النتيجة، بعد هذه المدة الزمنية القصيرة، أكثر من مُرضية، وجاء المردود ذا قيمة عالية، سواء الإنتاج المطبوع، وإصدار الدوريات المحكمة، وهي اليوم خمس دوريات، أو على صعيد المؤتمرات العلمية المتخصصة.
تضم واشنطن وحدها 397 مركزا بحثيا، أي ما يعادل كل ما يملكه العالم العربي من مراكز بحث، بينما يعيش العالم العربي حالة تراجع، كمية ونوعية، على هذا الصعيد، ولا تبلغ موازنة البحوث في الدول العربية أكثر من 0.8% من دخلها القومي سنوياً حداً أقصى. في المقابل، تنفق إسرائيل 3.93% من إجمالي ناتجها المحلي لتمويل الأبحاث العلمية. أما في الصين واليابان فالأمر تحول إلى إحدى ركائز قوة هذين البلدين. وعلى الرغم من أن المال عنصر أساسي في بناء مراكز البحوث، نظرا للنفقات الكبيرة، إلا أنه وحده لا يكفي لبناء مركز أبحاثٍ يعتدّ به. إن مركز أبحاث من دون رسالةٍ حضاريةٍ يمكنه أن يتحوّل إلى أرشيف، أو خليةٍ لتقديم معلومات أمنية لأجهزة المخابرات، أكثر من مركز البحث الذي يقوم على الأمانة والنزاهة والمهنية وخدمة البحث العلمي بلا مقابل، وهذا هو سر قوة المركز العربي ومصدر تميّزه، وسبب الانزعاج منه وسط حالة الضحالة الثقافية والانحطاط الأخلاقي الذي بات يتقدّم في العالم العربي بلا حدود، ويفتك بالنخب الحاكمة قبل كل شيء، وإلا لما شهدنا الهجمة تلو الأخرى على مركزٍ صار المرجع الأول في المنطقة العربية. ومن اللافت في عالمنا العربي ليس تراجع الاهتمام بالبحث العلمي لدى الحاكمين فقط، بل محاربة المراكز التي تشتغل على ثقافة المعنى، وهناك سياسة منهجية لضرب كل ما هو مختلف ونظيف، وصاحب رسالة سياسية ثقافية، مثل المركز العربي.
ولكي لا يكون الكلام عموميا، فإن سبب الحملات التي يتعرّض لها المركز العربي هو الأثر الكبير الذي يُحدثه على مستوى الوعي العربي بالهوية الثقافية والحضارية للعالم العربي، والذي تشتغل لوبياتٌ صهيونيةٌ على طمس شخصيته، وتدمير منجزاته الحضارية، ومحو تاريخه. ولا أتحدث هنا عن مؤامراتٍ تُحاك في غرفٍ سوداء، بل عن هجماتٍ منظمةٍ ضد المركز من الذين لا يريدون لأبحاثه ومنشوراته أن تصل إلى المواطن العربي. ويزعج هؤلاء أن يلعب المركز دوره السياسي والثقافي، وينهض برسالته الحضارية والمعرفية.
لا يقاس تقدّم الأمم بقوة الجيوش والمداخيل الاقتصادية، بل في حضورها المعرفي. هذه حقيقة لا يدركها ويفهم معانيها سوى المؤمنين بدور الثقافة في حياة البشر. وهناك حكام في الماضي وعصرنا الراهن لم يكتفوا بقيادة دولٍ كبرى، وبقيت تؤرّقهم مسألة ترك إرثٍ ثقافيٍّ يشهد عليهم، وهذا أمر ينطبق على غالبية حكام القارّة الأوروبية المعاصرين، وأبرز هؤلاء الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا ميتيران، الذي وسع متحف اللوفر، وبنى مكتبة جديدة. وصار من المتعارف عليه اليوم أن أحد معايير تقدّم الشعوب مستوى الحريات الأكاديمية وحرية التعبير والنشر.