آخر الأخبار :

دعِ القلق وابحث عن وطن

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
2019/08/26 الساعة 03:09 صباحاً

ما الوطن؟ سؤال مطروح في زمنٍ تحوّلت فيه الأوطانُ المتخلّفة إلى سجونٍ، أو جدران تضغطُ على الفرد، للهروبِ منها، هُروبَ من لا يلوي على شيءٍ يأتي منها. ومع ذلك، يتواصل القذف بتهمة "اللّاوطنية" في وجه كلّ من يخالف التوجّه العام للسّلطة السياسية، أو الاجتماعية؛ فيجد الفرد نفسه عالقًا بين فهمه البسيط للوطن أرضا، ودولة، وعلما يرفعه لإقناع نفسه بحقيقة انتمائه الذي لم يختره، لكنّه مكره على تقبّله، وبين حاجته إلى وطن يمثّلهُ مجتمعٌ متحضّر يحمي حقوقه.  الفرد الذي تعب من الذين حوله: "إخوته في الوطن"؛ ومن العنف اليومي الذي يراه إذا لم يكن من ضحاياه المباشرين، هو الذي يرى الأذى ويكتفي بالنّظر، لأنّه لا يملك ردّه عن الضّحايا؛ جنون الطُّرق التي تقضي على حياة عشرين شخصًا في الأسبوع، وتُعطب الآلاف في المغرب مثلًا؛ العُنف المادي والمعنوي في الشّوارع، البُؤس في الإدارات، الجهل في المدارس، الموت في المستشفيات؛ لا شيء يُريح فيما يراه أو يعيشه، ولكن ليس باليد حيلة تجاهه.  يتسبّب هذا كله في نفور شباب متعلّم، يُهاجر هربًا من مجتمع بدوي، يعيش في المُدن بلا تمدّن، بلا قيم الكرامة والتحضُّر، ويركض باستمرار ككوكبة عميان، لا يعرف ماذا يفعل، فيركضُ في كل الاتجاهات، ويدوس الجميع. المهم ألّا يُلقى على أفراده القبض وهم يخرقون القانون، فيبدعون في التّحايل عليه، وحين يُقبض عليهم متلبّسين، يواصلون التّحايل، ويستعطفون الكل، ويتحوّلون مائة وعشرين درجة، لينجوا من العقاب، ثم يعودون إلى عاداتهم. في وطنٍ يتحوّل إلى مشنقة، والذين يرون الحبل يضيق حول أعناقهم، يفكّرون في الفرار قبل أن يقضوا نحبهم، أو يفقدوا صوابهم بـ"الفقسة"، الكلمةُ المغربية التي تحيل إلى ألم فظيع في القلب تجاه شيء يعنيك بقوّة.  قد نسترجع ما ردّده أبيقور وأتباعه، أنّ الحياة المُرضية الوحيدة تُعاش بالابتعاد عن أنظار الذين ربما يلحقون بك الضّرر، والزّحف إلى ركنٍ تختاره، لتشيد فيه حياتك الخاصة التي تستطيع وحدها تلبية أعمق احتياجات الإنسان، وفق هذا الرأي. حتى لو لم تهاجر، يمكنك الانزواء في ركنك الخاص، وإيجاد وطن يتكوّن منك وحدك، والمقرّبون، أما "الآخرون فهم الجحيم"، حسب سارتر بالطبع.  هذا ما استعاد أفلاطون من أجل دحضه، الرّأي القائل إنّ العدالة والمشاركة في الحياة العامة، لا تفيدان بل تؤدّيان إلى جراحٍ وبؤس وطُموح محبط، أما مدى نجاحهِ في إنجاز المهمّة، فيظلُّ محل جدلٍ خلافي إلى يومنا هذا. ولا ننسى ديوجين الذي أعلن أنّه لا ينتمي لأيّ مدينة، فالعالم كلّه وطنه، والإنسان المستقل وحده الحُر، ذلك أن الحرّية تجعله سعيدًا؛ إنّه عدمي قديم، وربما سيّد العدميين، قبل سيوران، وشوبنهاور، ونيتشه نفسه. ولكن كيف يمكن ألّا تبالي بما يحدث في وطنك؟ تقرأ كتاب فنّ اللّامبالاة؟ الذي يحدّثك مطولًا عن طرق اللّامبالاة وأساليبها، وفوائدها، ثم تضعه من يدك وتبدأ القلق الذي انتشر كتاب "دع القلق وابدأ الحياة" لديل كارنيجي، منذ زمن، ليحاربه، لكنّك تواصل القلق، إنّها مسألة جغرافية وثقافية، كيف لا تقلق حيث لا قيمة لك؟  المهاجرون أو اللّاجئون، لا تزعجهم الغربة، بل الذين تُركوا هناك خلفهم، يشعرون بالذّنب، لأنّهم يعيشون في مجتمعات ودول محترمة، بينما الذين يحبّون عالقين في وحل التخلّف. بعضهم لا يودّ العودة إلى الوطن في العطل، لئلا تزعجه مظاهر البؤس في حياة الذين يحبّهم هناك. ويُحدث نوعًا من القطيعة العاطفية والفعلية معهم، لئلا يسمح لبؤس الوطن الأصلي بالامتداد إلى الوطن الجديد الذي اختاره لحياةٍ أفضل: مجتمعات واعية، ونظام إداري واجتماعي متقدّم، يحافظ على حقّه في الصّحة، والتّعليم، والعمل، والاحتجاج، والانتخاب.  كل هذا أحدث نوعًا جديدًا من الهجرة اختارته قلّة من قبل، لكنه خيار كثيرين الآن: الهجرة من أجل وطن، لهم ولأولادهم. هجرة الفئات المتعلّمة التي تملك مناصب عمل جيدة، لكنّها تهرب من مواطنين بلا مواطنة، من مجتمعٍ لا يحترم الإنسان، ويطحن الأفراد الذي أدركوا ما هو موجود في العالم، وغير مستعدّين لحياة سيّئة؛ يريدون منشآتٍ، وبنياتٍ تحتية، وشروط عيش تحترم كرامة الإنسان..  "هاجرتُ إلى أستراليا من أجل إيجاد وطن لأبنائي"، قال الشّاعر اللبناني وديع سعادة في حوار معه، هذا قبل عقود. والآن نواجه توجّهًا لدى فئات كثيفة من نخبة المجتمعات العربية، إلى البحث عن وطن يحترم كرامتهم وكرامة أبنائهم، من أجل تعليم أفضل، وتغطية صحّية حقيقية، واحترام لحقوقهم، حتى لو قضوا حياتهم في بلدانٍ قد يُنظر إليهم فيها من الجانب غرباء، إلى آخر يوم في حياتهم؛ لكن الغربة النّسبية أرحم من المعاناة في حياةٍ لا تليق. وفي النهاية، لا شيء أقسى من غربة الوطن، وضياع الحقوق بين إخوةٍ في الدّم والأرض والهواء، وذلك كله لا يعفيك من عدم التّفكير في أنّ مكانك ليس هنا، بل هناك، حيث الوطن الذي يحميك.  الشّاعر الإسباني لويس دي ليون، قال: "أود أن أحيا مع نفسي.. متحرّرًا من الحبّ والغيرة والحقد والأمل والشك". هذا وطنٌ آخر، على مستوى آخر، يختاره بعضهم ليستوطن نفسه وحدها، متحرّرًا من العالم الخارجي، ومن الجغرافيا التي لا تشكّل أيّ فارق له، كما لا تفعل اللّغة لأنّه غير معني بالعالم الخارجي، فهو يعيش بشكلٍ حصري داخل نفسه.  النّفس التي نصح الوزير المغربي، محمد يتيم، بالسّفر فيها، بينما هو يسافر في الأرض شمالًا وجنوبًا، ويقتنص المُتع الخارجية على أشكالها، النّصيحة التي انتشرت مثل النّار، للسُّخرية من دعوة ميسورٍ يسافر دائمًا للعاجزين عن ذلك، باكتشاف جغرافيا حسّية تقعُ في نفس كلّ إنسان كبديل، لكنّه هنا بديلٌ اضطراري ناتج عن عجز، وليس عن زهدٍ في العالم الخارجي. السّفر في الذات، والهجرة في الذات، واستوطان الذات إذا لم تجد إلى وطنٍ بديل سبيلًا، أو مخرجًا.