انتخابات تونس وسقوط التابوهات

عادل سليمان
عادل سليمان
2019/09/26 الساعة 06:08 مساءً

جرت في تونس، في سبتمبر/ أيلول الحالي، ثاني انتخابات رئاسية عامة، منذ فجّرت تونس شرارة الربيع العربي 2010-2011، والذي أسفر عن أول سقوط لرئيس عربي طاغية تحت ضغط شعبي، وهو زين العابدين بن علي الذي تصادف رحيله عن الدنيا، وهو في منفاه في جدة، في أثناء زخم هذه الانتخابات التي شارك في جولتها الأولى ستة وعشرون مرشحاً، يمثلون كل التيارات والألوان، وبينهم من هم في مناصب مسؤولية رفيعة، وكان من بينهم من هو في الحبس، رهن محاكمة بتهم تتعلق بفساد مالي وتهرب ضريبي. وجرت الانتخابات في أجواء من الحرية والشفافية والنزاهة غير معهودة في انتخاباتٍ في بلاد عربية أخرى، وبعيدة عن أي استقطابات طائفية أو أيديولوجية. وشهدت إقبالاً متوسطاً من الناخبين، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة 49% من الناخبين، مع غياب ملحوظ للشباب، واختفاء مظاهر التحشيد من الشارع. وفي هذه الأجواء، لم يكن سهلا توقّع ما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات، وفضّل المراقبون الانتظار حتى إعلان النتائج الرسمية التي اشتملت على مفاجأة حقيقية، فقد جاء في المقدمة أكاديمي سابق، متخصص في القانون الدستوري، ولا ينتمي لأي تيار سياسي أو أيديولوجي، وإن كان معروفاً عنه تأييده الثورة التونسية منذ البداية، وهو قيس سعيد. وتلاه رجل أعمال، يمتلك قناة فضائية تونسية شهيرة ولها تأثير كبير. وهو أيضاً شخص شعبوي، قدم نفسه نصيرا للفئات الأكثر احتياجاً ونصيراً للفقراء، وكان منتسبا لحركة نداء تونس التي أسّسها الرئيس الراحل الباجي السبسي، ولكنه تركها، وهو المرشح رهين الحبس حالياً رهن المحاكمة بتهم فساد مالي، وهو نبيل القروي. وهكذا خسر الجميع من أقصى اليمين ومن أقصى اليسار وما بينهما، وكان الرابح الوحيد هو الشعب التونسي.  ما هي دلالات نتيجة الانتخابات الرئاسية التونسية والتي ستأتي برئيس من خارج "الصندوقالتقليدي، إذا جاز التعبير؟ الدلالات أن هذه الانتخابات أسقطت تابوهاتٍ كانت مسيطرة على المشهد السياسي في عالمنا العربي، خاصة دول الربيع العربي، من أبرزها أن الثورات الشعبية لا تنجح الا بالضربات القاضية، وجاءت الانتخابات التونسية أخيرا لتؤكد أن الثورات الشعبية السلمية تنتصر بالنقاط، عبر جولات متعاقبة تنتهي حتما ببناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، يفرض فيها الشعب إرادته الحرة. والتابوه الثاني الذي أسقطته الانتخابات أن الثورات الشعبية لا تنجح إلا بوجود قيادات سياسية من النخب، تتمتع بكاريزما شعبية، فإذا بنتيجة الانتخابات تُسقط كل القيادات من النخب السياسية وتذهب أكثرية الأصوات إلى شخصية مستقلة لا تستند إلى أي تيار، أو حزب، أو حركة سياسية أو أيديولوجية، ومن بعده رجل أعمال وإعلام، شعبوي، اعتمد، في خطابه، على توجهه نحو الفقراء. أما التابوه الثالث والأهم فهو الفكرة السائدة بأنه إذا ما كانت هناك انتخابات ديمقراطية وحرّة، فإن الفائز فيها حتما سيكون تيار الإسلام السياسي، فقد كانت الانتخابات التونسية حرة، وديمقراطية، وخاضها تيار الإسلام السياسي التونسي، المتمثل في حركة النهضة، وممثله نائب رئيس الحركة، عبد الفتاح مورو، فحصل بالكاد على المركز الثالث، وسقط ذلك التابوه الذي لطالما سيطر على تيارات الإسلام السياسي. لم يقتصر الأمر على إسقاط تلك التابوهات الرئيسية، بل أيضاً أسقطت مفاهيم أخرى سائدة، في مقدمتها سطوة المال السياسي على الانتخابات، فالمؤكد أن الفائز الأول في تلك الجولة كان أقل المرشحين إنفاقاً، فلا حملات انتخابية، ولا نفقات دعائية، ولا مؤتمرات انتخابية حاشدة. أما رجل الأعمال الحاصل على المركز الثاني فقد ركز إنفاقه على الخدمات الاجتماعية للطبقات الأكثر احتياجاً، وهو في هذا لا يتفوق على حركة النهضة التي جاء مرشحها بعده بفارق ملموس. وبالتالي، لا يمكن الاعتداد بفكرة تأثير المال السياسي على الانتخابات التونسية. المفهوم الأخير في هذا المجال فكرة التأثير الخارجي. كان واضحا أن هذا التأثير لم يكن له دور مؤثر في الانتخابات الرئاسية التونسية، على الرغم من كل الدلائل على ضلوع قوى إقليمية عديدة في التأثير على تلك الانتخابات. دروس عديدة قدمتها الثورة والشعب التونسيان لأكثر من ثماني سنوات، وهنا لا بد من الإشارة إلى عامل شديد الأهمية، وهو سلمية تلك الثورة ومدنيتها، حيث نأت القوات المسلحة التونسية بنفسها عن المعترك السياسي تماماً، وهو ما جعل تونس وثورتها بحق خارج المنافسة.