هل تعافت جائزة نوبل للآداب؟

معن البياري
معن البياري
2019/10/12 الساعة 12:09 صباحاً

أمّا وأن الفائزيْن بجائزتي نوبل للآداب لعامي 2018 و2019، المعلنيْن أمس، البولندية أولغا توكارتشوك (1962) والنمساوي (الألماني) بيتر هاندكة (1942)، لم يكونا من بين من ذاعت أسماؤهم في بعض الصحافة الأوروبية، وفي مراهناتٍ وتخميناتٍ في الأيام القليلة الماضية، مرشّحين للجائزة العتيدة، فذلك مما قد يعني أن الأكاديمية السويدية المنوط بها، منذ العام 1901، منح هذا التكريم العالمي لأديبٍ تختاره، ربما آثرت حماية سلطتها الخاصة، وتعزيز القناعة بأن مداولات أعضائها الـ 18 السرّية (قل الطوطمية؟) لا تتأثّر أبدا بأي ميولٍ أو أمزجةٍ أو ذائقاتٍ لدى غير هؤلاء، وإنْ تتلقَّ الأكاديمية ترشيحاتٍ من غير جهة، وإنْ كانت عاليةً كعوبُ كثيرين من المتداولة أسماؤهم للفوز، والتي يتردّد (أو يتسرّب، بحسب صحافاتٍ مدّعية) أنها التي ستحظى بالجائزة. وللاسمين الجديدين في نادي "نوبل للآداب" بعض الشهرة في العالم (سبعٌ من روايات هاندكة مترجمة إلى العربية)، وتحوّلت نصوصٌ لهما إلى السينما والمسرح والتلفزيون.

وعلى ما نشر، فإن روايةً ملحميةً لتوكارتشوك، اسمها "كتب يعقوب" (900 صفحة) بيع منها 170 ألف نسخة. وسبق للاثنين أن أحرزا جوائز عالميةً مقدّرة. ويشتركان في أنهما غزيران في إنتاجهما المتنوّع، فهما كاتبا سيناريو أيضا، وأول إصدارات البولندية في 1989 ديوان شعر، ولها مجموعتان قصصيتان، وهي أيضا كاتبة مقال وناشطة سياسية، ومدافعة عن حقوق الحيوان. وهاندكة مخرج ومترجم وكاتب رأي أيضا. 

مشهورٌ أن الجائزة مُنحت أمس لفائزيْن بها عن العامين، الماضي والحالي، لأن الأكاديمية السويدية لم تكن قد تعافت من الآثار الفادحة لفضائح فيها، بعد إعلان نساء من أعضائها تعرّضهن لاعتداءاتٍ جنسيةٍ من مصوّر فرنسي، زوج زميلة لهن، تبيّن أن له نفوذا على أداء الأكاديمية، فضلا عن منافع مالية منها (حُكم عليه بالسجن سنتين ونصف السنة)، استقالت الزوجة وست آخرون من عضوية الأكاديمية التي دخل إليها بديلون (الأعضاء لا يُقالون، يستقيلون فقط!)، أحدُهم قاضٍ في المحكمة العليا السويدية (ما علاقته بالأدب؟ أم للتدليل على النزاهة؟). وقبل ذلك كله، كان أكثر من أربعمائة كاتب ومثقف قد طالبوا بتعديلاتٍ "ثورية" في عمل الأكاديمية ونظامها الداخلي، بعد أن فاز في العام 2016 المغني الأميركي، بوب ديلان، بجائزة نوبل للآداب، الأمر الذي اعتبره بعضُهم فضيحة، ورآه صاحب هذه الكلمات، في مقالةٍ منشورة في هذا المطرح، مزحةً. وبعد هذا كله، وبعد مداولات القضاء السويدي في أمر الأكاديمية العتيقة (تأسّست في 1786)، قال رئيس الجائزة، أندرس أولسون، إن معايير الجائزة تغيّرت، وإن لدى لجنتها منظورا واسعا وأكثر شموليةً بشأن الأدب، وأنها وسّعت نطاقها في العالم، وأضاف "لدينا كاتبات كثيرات رائعات حقا".

ولكن، من قال إن فضائح الجنس والفساد تلك وحدها عيوبُ جائزة نوبل للآداب، أليس من مثالب أخرى رافقت الجائزة في غير موسم سنويٍّ لها؟ هل يُحسب منحُها لأولغا توكارتشوك وبيتر هاندكة أمس دلالةً على تعافيها؟ الإجابة عن السؤال الأول ميسورة، فقد مرضت "نوبل للآداب" من اعتباراتٍ سياسيةٍ مرّاتٍ، كما أنها مُنحت لأسماء، ليست قليلةً، متواضعة الموهبة والأهمية والمكانة، واستحقّها غيرهم لم تلتفت الجائزة إليهم. ومن العيوب الثقيلة المركزية الأوروبية المهيمنة على منظور اللجنة التي تحتكر تسمية الفائزين (ما أهليتها بالضبط؟)، فمن غير المعقول أن طاغور وحده من الهند استحقّ الجائزة، وأن معدودين من آسيا وأفريقيا أعطيت لهم، أما العرب فلطه حسين أن يُرشّح 14 مرة، وليمكث أدونيس في قوائم المترشحين ما شاء الله، وليفلت نجيب محفوظ بالمرّة العابرة. لم تترجم أولغا توكارتشوك إلى العربية، فلا نعرفها. وبعضُ ما قرأنا لهاندكه لا يشجّع لحماسٍ خاصٍّ له، وليتفوق على كثيرين أرفع منه خيالا وإمتاعا فيسبقهم إلى "نوبل".

ولأن أمرَنا على هذا النحو معهما، ما الذي أراده كرادلة (مجازا) الأكاديمية السويدية في إعطاء الجائزة لكاتبةٍ بولنديةٍ ليبراليةٍ، ذات مزاج يساري، منشغلةٍ بألم اليهود ومحرقتهم في بلادها، فيما تمنحها أيضا لكاتبٍ انتصر لمجرمي الحرب في صربيا، وزار ميلوسيفيتش في سجنه، وتغنّى به عند وفاته؟ هل في هذا شيءٌ من تعافي جائزة نوبل للآداب من عيوبها وفضائحها، عندما تتوخّى توازنا ما في أمري توكارتشوك وهاندكه، كما بين عمريْهما، فضلا عن كونهما كاتبا وكاتبة؟ لا أعرف.