"نبع السلام" بين الأخلاقي والسياسي

خليل العناني
خليل العناني
2019/10/15 الساعة 08:57 صباحاً

بدأت تركيا، في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، عملية عسكرية تحت اسم "نبع السلام"، على حدودها الشمالية الشرقية مع سورية لتحقيق هدفين: القضاء على ما تعتبره ممراً إرهابياً تتحكّم فيه مليشيات كردية تقودها قوات سورية الديمقراطية (قسد)، والجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، مليشيات وحدات حماية الشعب، وتوفير ممر آمن يضمن عودة ملايين اللاجئين السوريين إلى ديارهم بعد سنواتٍ من التهجير القسري بسبب الحرب الأهلية الدائرة هناك منذ سبع سنوات. ومنذ أطلقت تركيا حملتها، انقسم الرأي العام العربي، الرسمي والشعبي، حولها. وذلك بين من ينتقد العملية ويعتبرها "عدواناً سافراً على الأراضي السورية"، مثلما جاء في بيانات مصرية وسعودية وإماراتية، وكذلك في بيان جامعة الدول العربية التي عقدت اجتماعا طارئا لوزراء خارجية أعضائها السبت الماضي، ومن يعتبرها حقاً لتركيا من أجل حماية نفسها من مخاطر المليشيات الكرية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، والذي تصنّفه تركيا والغرب منظمة إرهابية. منبع الانقسام العربي، وهو أمر أصبح معتاداً في كل ما يخص تركيا داخلياً وخارجياً، ليس أنه يعكس انحيازاً أخلاقياً يختص بمبدأ السيادة على الأرض، ورفض أي اعتداء خارجي من بلد على بلد آخر، وإلا لكنّا شهدنا الإدانات نفسها من البلدان نفسها على التدخلات الإيرانية والروسية في سورية، أو في الحرب المدمّرة التي تشنها السعودية والإمارات على اليمن، أو في مواقف كثيرة متعلقة بالتعدّي الإسرائيلي على الحقوق الفلسطينية. كما أنه ليس انحيازاً لحق دولة ما في حماية حدودها من أية أخطار قد تهدّد أمنها القومي، حتى لو تطلب الأمر التوغل في بلدان دول مجاورة، لا تستطيع حكوماتها فرض السيطرة على أراضيها. ولكننا نتحدث عن مواقف سياسية بالأساس تعكس تجاذباتٍ وانقساماتٍ واستقطاباتٍ عربية، درجنا على مشاهدتها ومعايشتها مراراً وتكراراً طوال السنوات الثماني الماضية، وتحديداً منذ بدء الربيع العربي، فالمصطفون ضد تركيا لا يعبأون بمسألة سيادة سورية على أرضها (بافتراض وجود هذه السيادة!)، ولا يكترثون كثيراً بأن تظل سورية دولة موحدة ومتماسكة، فبعضهم كان، ولا يزال، على استعداد للتضحية بسورية في مقابل التخلص من حكم عائلة الأسد. وهم لا يجدون فرصةً يمكن أن يهاجموا فيها تركيا، خصمهم الإقليمي اللدود، إلا واقتنصوها، واستغلوها لممارسة الابتزاز والضغوط عليها كما يفعل دوما الثلاثي الشهير للثورة المضادة (مصر والسعودية والإمارات)، خصوصا وأن بعضهم متورّط في دعم (قسد) ومليشياتها مادياً وعسكرياً، بهدف استخدامها مخلب قط في مواجهة تركيا. في حين أن المدافعين عن العملية التركية، خصوصا من الشباب العربي، ينطلقون من موقف المدافع عن الحليف الوحيد لهم، خصوصا في ظل القمع والإجرام والإفساد الذي يمارسه المحور المقابل لها بحقهم. لذا، يحاول الجميع النظر إلى ما يحدث في سورية من منظور يدّعي الأخلاقية، ظاهرياً، ولكنه فعلياً غارقٌ في التحزبّات السياسية والإيديولوجية والنفسية، سواء ضد تركيا أو معها، بحيث لم تعد المسألة متعلقة بالحفاظ على سورية والسوريين، وإنما في تركيا، باعتباره إما الشيطان الذي يجب رجمه ولعنه ليلاً ونهاراً، أو بكونه المخلّص الذي يجب دعمه، وعدم المساس به، أو انتقاده، بأي حال. وهو ما يطمس أي محاولةٍ جادّة لفهم ما يحدث فعلاً وتفسيره، وعدم الوقوع في فخ التبرير لهذا الموقف أو ذاك. وهو طريقة في التفكير أصبحت تهيمن على العقل العربي، الرسمي وغير الرسمي، والنخبوي والشعبوي، على حد سواء.

في حين تنطلق المواقف الغربية تجاه عملية "نبع السلام" من اعتباراتٍ سياسيةٍ وجيواستراتيجيةٍ ومصلحيةٍ بالأساس، وذلك من دون الانزلاق نحو التقييم العاطفي أو الأخلاقي للمسألة، فبعض البلدان الغربية أبدت "تفهماً" للعملية التي تقوم بها تركيا، انطلاقاً من قناعتها بأنها سوف تفعل الشيء نفسه لو كانت في موقع تركيا. كما أنها تدرك أن المسألة الكردية شائكة ومعقدة، ولا يجب المغامرة بعلاقاتٍ استراتيجيةٍ مع دولة مهمة، مثل تركيا، من أجل إرضاء مليشيات كردية. فالمصالح مع تركيا أهم بكثير من أية وعود أو تأييد شفهي للأكراد. وهو ما يبدو واضحا في الموقف الأميركي الذي ينطلق من اعتباراتٍ براغماتية محضة، عبّر عنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من دون مواربة. ويبدو هذا واضحاً في ردود الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على الانتقادات التي وُجهت لعمليته في الأراضي السورية، والتي اختلفت حسب مصدرها. على سبيل المثال، هاجم أردوغان مصر والسعودية على انتقاداتهما بتقريعهما وتذكيرهما بكوارثهما فيما يخص قتل معارضيهما كما الحال في مصر، أو تدمير اليمن كما الحال مع السعودية. في حين تحدّث بمنطق المصلحة مع الأوروبيين، حين ذكّرهم بموضوع اللاجئين السوريين، وما قد يمثلونه من خطر على أوروبا إذا ما فُتح لهم الباب.

خلاصة القول، ليست المشكلة في تركيا أو في الغرب، وإنما فينا، نحن العرب الذين فشلنا في حماية بلداننا وشعوبنا، بسبب جشع حكامنا وفسادهم واستبدادهم، وأصبحنا مجرد "قطعة نرد" على طاولة اللاعبين الكبار، من دون دور لنا في تقرير مصيرنا ومصير أوطاننا.