التلاعب بالوقائع وبمصير الأكراد والسوريين

محمود الريماوي
محمود الريماوي
2019/10/19 الساعة 06:56 مساءً

ترتبط تركيا بحدود طويلة مع سورية تزيد عن ثمانمائة كيلومتر، ويتدفق نهر الفرات إلى سورية من مرتفعاتٍ في تركيا، ويصل إلى خمس مدن سورية. وكان هذا البلد من أوائل البلدان التي استقبلت اللاجئين السوريين بكثافة وبترحاب. وفي جميع العهود، نشطت التجارة المشروعة وغير المشروعة بين البلدين. وعليه، فإن الانشغال التركي بالشأن السوري متوقع دائما، فبين البلدين وبين الشعبين صلات تاريخية وجغرافية تفوق ربما الصلات بأي بلد إقليمي آخر. ومع ذلك، يدلّ تاريخ الصراع السوري على أن إيران وروسيا كانتا أكبر المتدخلين، فقد تدخل هذان البلدان، بكثافة واندفاع شديدين، بكل أشكال التدخل، بما فيه العسكري، والمشاركة النشطة في المواجهات بكل أنواع الأسلحة الفتاكة.

وقد جاء التوغل التركي أخيرا (في 9 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري) بعد مباحثات طويلة بين أنقرة وواشطن، وعقب لقاءات متواترة بين أنقرة وموسكو على مستوى القمة استغرقت سنوات، وخلال هذه الفترة (أربع سنوات، مثلا، عقب بدء التدخل العسكري الروسي في سورية) لم يسع أحد إلى نوع فتيل التوتر الكردي التركي، إذ تعاملت سائر الأطراف مع الحركة الكردية المسلحة ورقةً للمساومة وللضغوط على أطراف أخرى. ومن جهته، لم يول الطرف الكردي الحل السياسي مع تركيا أهمية تُذكر؛ إذ مضت سنوات طويلة، أزيد من أربع سنوات، كانت فيه الحركة الكردية في سورية تبدي الزهو بأنها تمثل حاجة حيويةً لأطرافٍ دولية عديدة، بما يجعلها في موقف سياسي "قوي" أمام أنقرة التي تتهمها بنسج الصلات مع حزب العمال الكردستاني في تركيا. واللافت أنه، لا هذا الحزب ولا قوات سورية الديمقراطية، بذلت جهدا لنفي هذه العلاقة، أولتوضيح طبيعتها. هذا في وقتٍ كانت القوات الكردية تقترب من الحدود مع تركيا. والبلد الأخير بدروه لم يفتح باباً لحل سياسي أو تفاوضي مع الحركة الكردية السورية. وهكذا تجمعت العوامل نحو تأجيج الصراع بينهما في ظرفٍ بدا فيه أن موسكو وطهران ترغبان في تقرير مصير كل شيء في سورية، ولا توليان أي اعتبار لحقّ اللاجئين السوريين في عودة آمنة إلى ديارهم، وهما البلدان اللذان لم يستقبلا لاجئا سوريا واحدا. وبينما تنشغل دول أوروبية وغير أوروبية بمسألة اللاجئين وتدفقهم، فإنهم لا ينشغلون بالقدر ذاته في تفحص الأسباب التي تدفع اللاجئين دفعاً إلى مغادرة ديارهم، وبناء سياساتٍ وفق نتائج هذا الفحص الذي لم يتم.

وحين يجري الحديث التركي عن تأمين منطقة على الحدود تؤوي لاجئين سوريين لجأوا إلى تركيا، فإن هذه المسألة لا تستوقف كثيرين، على الأقل علنا. فهل يتعين أن تتقاذف الحدود أو أمواج البحر المتوسط هؤلاء اللاجئين إلى ما لا نهاية؟ وهل وظيفة الإيرانيين والروس هي فقط جعل الحياة مستحيلةً على سوريين كثيرين، ودفعهم إلى الهجرة إلى المجهول؟ وماذا عن بقية الأطراف، أميركا والاتحاد الأوروبي.. ألا يتعيّن البحث عن وسيلةٍ ناجعةٍ لعودةٍ آمنةٍ وتدريجيةٍ لهؤلاء؟ لقد قدّمت أنقرة مقترحها، لكن الأطراف المعنية هنا وهناك غير معنيةٍ سوى بمسائلها المسمّاة استراتيجية في الصراع على سورية، أما اللاجئون فلتتولّ أمرهم الأمم المتحدة والجمعيات الخيرية.

لم يُحسن الأتراك تسويق تحركهم وتسويغه، بل غابت الدبلوماسية التركية غياباً شبه كامل في الأسبوع الأول على التغول، وفي وقت كان من المنتظر أن تحضر بكثافة، وذلك لحساسية هذا التطور. ولم يتم طرح موضوع المدنيين، وأهمية حمايتهم، حيث هم في مناطقهم، وهي أهمية حاسمة، كما لم تتعامل أنقرة كما ينبغي مع انتشار أنباء عن إعدامات لمدنيين (تسعة بينهم رئيسة حزب سورية المستقبل، هفرين خلف)، وهو حادث مروّع ومدان. صحيح أن الإيرانيين والروس ارتكبوا مئات مثله بالصواريخ والطائرات والقاذفات الأرضية، إلا أن ذلك لا يبرّر تجاهل هذه المسألة، أو التقصير في محاسبة المسؤولين عنها. علاوة على التقصير الأصلي في توجيه خطابٍ يطمئن المدنيين الأكراد، ويترك باباً للحركة المسلحة، قوات سوريا الديمقراطية (قسد) للتفاوض. ومعه التقصير في إبداء نياتٍ حسنة تجاه الأكراد في تركيا والمنطقة، بل والعالم بأسره، فهؤلاء يمثلون قوميةً تعرّضت لصنوفٍ شتى من الاضطهاد وقمع هويتهم، ومن حقهم العيش بأمان، والتمتّع بخصائص هويتهم. وعلى أنقرة أن لا تستغرب أبدا موجة التعاطف معهم. فهم يستحقون التعاطف، بل والتضامن معم من منطلق إنساني وتحرّري ومساواتي، وخصوصا حين يأتي التضامن من جمعياتٍ وهيئاتٍ وشخصياتٍ مستقلة هنا وهناك. ولتركيا سجلٌّ في الانفتاح على قضيتهم وحقوقهم إلى جانب سجل في الصراع الدامي مع حركتهم المسلحة.

لا يتمنّى المرء إقامةً مديدةً للقوة التركية في سورية، ولا لأية قوة أجنبية في هذا البلد الذي يملكه شعبه وحده، وليس أي طرف أجنبي. ولو كانت هناك عملية سياسية حقيقية، تستند إلى بيان جنيف (2013)، والمرجعية الدولية، لتغيرت الأحوال، ولكانت الأزمة قد وضعت على طريق الحل. ومن الطريف أن ترى موسكو أن التدخل التركي يمسّ بالعملية السياسية، علما أن الجهد الروسي، من ألفه إلى يائه، يقوم على إغلاق الأبواب أمام هذه العملية. كما أن الحركة الكردية المسلحة تتمسّك بمنظورٍ يفصل ما بين قضيتي أكراد سورية وبقية السوريين. وهنا مناسبة للدعوة إلى حماية المدنيين الأكراد وغيرهم، وكذلك المرافق المدنية، من طرف القوات التركية، كما الإيرانية والروسية، إذ لم يسبق أن شهدت صراعات المنطقة استهدافا متعمّدا ومنهجيا للمدنيين، واستضعافا لهم، كما يجري في سورية منذ أكثر من ثماني سنوات، وهو ما أدى إلى موجات اللجوء المتعاقبة.

وخلافاً لما يقوله ممثلو "قسد" والمسؤولون في أنقرة، لا مفر من حل تفاوضي، في نهاية المطاف، بين الطرفين، إذ إن أكراد سورية سوف يبقون جيرانا لتركيا، وتركيا سوف تبقى الجارة الكبيرة لهؤلاء، وذلك بدلاً من انتظار الترياق من وراء البحار، أو الاحتكام إلى فوهات المدافع التي لا تنتج حلولاً.