الطيبون المفلسون

سما حسن
سما حسن
2019/10/23 الساعة 08:58 مساءً

انتابت صديقتي الدهشة إلى درجة أنها نسيت ما تود ابتياعه من السوبرماركت القريب من بيتها، حين التقت مصادفةً بطفل صغير، هو ابن جارتها المقرّبة، والتي يعمل زوجها تاجرا كبيرا، والتي تتفاخر دائما بثروة زوجها التي جمعها في وقت قصير. كانت مفاجأة صديقتي حين وضع الطفل يده على إحدى قطع الشوكولاتة التي قرّرت صديقتي أن تضعها في سلة المشتريات بأن تناولتها عن الرفّ، وبدأت قراءة محتوياتها على الغلاف الخارجي، وجمعت ست قطع، لكي تكفي عدد أفراد أسرتها. حين وضع الصغير يده على يدها طالبا منها أن تعيدها إلى الرف قائلاً: "بإمكانك، يا سيدتي، أن تشتري علبة كاملة، وتوفري على نفسك مبلغا جيدا. وفي الوقت نفسه، يمكنك أن تمنحي أطفالك كل يوم قطعة من العلبة، بدلا من مصروفهم اليومي، بعد أن تخفي العلبة بعيدا عن أيديهم". وغمز لها الطفل غمزة بعينه اليسرى مردفا: هكذا يفعل أبي.. 

يتصرّف الصغير بعقلية التاجر الكبير، فيما تتصرّف صديقتي بعقليتها الطيبة المعطاءة، على الرغم من أنها ذات دخل بسيط، إلا أنها لا تتردّد في منح أطفالها المصروف اليومي، إضافة إلى شراء قطع الشوكولاتة لهم، كما أنها تحتفظ بقطع حلوى صغيرة في حقيبتها، تمنحها لطفل تصادفه في مركبةٍ عامّة، ولا تتردّد، كما أفعل أنا، في دفع أجرة السيارة، بدلا عن صديقة أو جارة من باب الشهامة التي علمنا إياها آباؤنا، وقد تتبرّع بدفع أجرة راكبٍ لا يملك ثمنها، أو أجرة راكب ناقص تتحمّلها وحدها، لكي تتحرّك المركبة في أسرع وقت، فيما يُحجم بقية الركاب عن فعل ذلك، وإن كان بينهم من هو أيسر حالا منها.

تندرج صديقتي تحت قائمة الطيبين المفلسين الذين اكتشفت الباحثة ساندرا ماتز، وهي عالمة اجتماع حاسوبي، أنهم يملكون قدرا كبيرا من اللطف، وإلى جانب ذلك فهم يعانون من ضوائق مالية متتالية، مثل الديون المتراكمة، وكذلك معدلات إفلاس أعلى، خصوصا إذا كانوا من ذوي الدخل المحدود أساسا. وقد أجريت الدراسة على نطاق واسع في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، حيث تبين أن الأشخاص الذين يدفعون عوضا عن الآخرين، أو يقرضون المال، أو أنهم كرماء على وجه خاطئ، هم الأكثر غرقا في الأزمات المالية.

وارتأت الدراسة أن الحل لمثل هؤلاء الطيبين المفلسين أن يفهموا جيدا أن عليهم الاهتمام بأموالهم، من أجل أولادهم. وتحاول الباحثة ماتز أن تعلم الناس اللطفاء أن يكونوا أكثر بخلا، ولكنها تتساءل في عجز: لو حدث ذلك، فمن سيدفع فاتورة الآخرين؟

يبدو تساؤل الباحثة ماتز الأخير موجعا، لأن الذين اعتادوا أن يسدّدوا فواتير الآخرين، سواء المالية أو العاطفية، هم الذين يستمرون كذلك على حساب أنفسهم حتى النهاية، وهم الذين يبقون في حالة استنزافٍ لجيوبهم وعواطفهم، ويحدُث أن نتساءل في شفقةٍ: لماذا لا يملك فلان بيتا مستقلا حتى الآن، ويعيش في غرفة مؤجرة؟ والإجابة أنه يدفع كل راتبه لأصحابه الذين يتعلقون به كما يتعلق الذباب بالطعام، فيفكّ أزماتهم المالية، ويعتاشون على ظهره، فيما يقضي آخر عمره من دون زواج للسبب نفسه، ويفشل في تكوين أسرة، فيما يفعل أمثاله ذلك، ويستقلون بحياتهم، لأنهم يجيدون إدارة أموالهم، ولا يهدرون عواطفهم في المقام الأول.

حدث أن التقيت شخصا ثريا حقق لأسرته الأمان الاقتصادي، على الرغم من كثرة عدد أولاده، فقال لي ضاحكا كاشفا عن سر نجاحه: لست مثلك، فلم أفتح بيتي يوما لشكوى فقير، ولم يتحوّل جيبي وزارة شؤون اجتماعية، فأنا أتعب في الحصول على المال، ولست مضطرا لإهداره على الآخرين. انظري بشفقة نحوهم واستمري في طريقك، وسوف تصبحين أكثر ثراء مني..

مرّ على هذه النصيحة أكثر من عشر سنوات، ولم أخرج من ضوائقي المالية، حتى الآن. ويبدو أن أمثالي بحاجة للباحثة ماتز التي ترى أن على الطيبين المفلسين أن يقولوا، ولو مرة واحدة، في حياتهم: لا نستطيع أن ندفع هذه المرة!