هل فشلت انتفاضة العراق؟

عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون
2019/10/30 الساعة 06:40 مساءً

هل فشلت انتفاضة العراق؟ هل نجحت أذرع طهران السوداء في وأد انتفاضة العراقيين الذين أرادوا تحرير بلدهم من هيمنة "دولة الولي الفقيه" على مقاديرهم؟ هل استطاع "الذباب الإلكتروني" وبعض المنابر الإعلامية الممولة وتيارات ركوب الموجة "شيطنة" المنتفضين الغاضبين والتأثير عليهم؟ .. كومة أسئلة حادّة تدور على ألسنة المتابعين لمسار انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر العراقية، وفي مواجهتها كومة حقائق تتقدّم على الأرض، لتعكس أجوبة مغايرة لما تقوله هذه الأسئلة. 

ينبئنا واقع الحال أن صمود الانتفاضة/ الثورة ومطاولتها في مقارعة أدوات العنف والقتل المبرمج، وابتكارها أشكالا وألوانا جديدة للحراك، وتقديمها مئات الشهداء وآلاف الجرحى في مدى زمني قصير، كل هذا يعكس حالةً مشرقةً قوامها وضوح الرؤية، والإصرار على هدف التغيير الشامل الذي يضع العراق على أبواب فرصةٍ تاريخيةٍ نادرة لإنجاز عملية "تأسيس" جديدة بعد قرنٍ على التأسيس الأول الذي شرع فيه العراقيون، عشية الحصول على استقلالهم في عشرينات القرن الراحل، وصولا إلى التخلص من التبعية البريطانية.

بذلك تكون الانتفاضة قد قطعت الطريق على من اعتاد النظر إلى الأحداث بعين واحدة، حاملا مقادير من اليأس، دفعت به نحو اتخاذ موقف قاصر وغير مستوعبٍ لحركة التاريخ ولتطور الأحداث، خصوصا بعد فشل "حراكاتٍ" عديدة سابقة في الوسط والجنوب في أن تحقق نتائج إيجابية. وبدا لهؤلاء أن تغييرا شاملا للبنية السياسية والاجتماعية لعراق اليوم غير مُمكن، وربما عدّه مستحيلا، بالنظر إلى الدرجة العميقة التي وصل إليها التدمير الهائل والمهلك لتلك البنية من خلال النهج الشرير الذي سارت عليه الطبقة الحاكمة التي نصّبها المحتل، وهيمنت عليها طهران في خطةٍ ماكرةٍ استباحت كل ما هو فاسد، لخدمة مصالحها وترويج المشروع الطائفي الذي رسمته. ويقود تبنّي هذا التحليل القاصر، بالضرورة، إلى تفاقم الحال، وتداعي الرؤية الوطنية والوقوع في شرك الرؤية التي تروّجها الطبقة الحاكمة نفسها، والتي عبّر عنها مرة زعيم حزب الدعوة، نوري المالكي، بعبارةٍ أصبحت مثلا، "ما ننطيها" أي أننا، والقول بلسان الطبقة الحاكمة، لن نتخلّى عن السلطة، وبالفعل ها هم يعضون عليها. أصبحت "تغريدة" المالكي في حينه مثار سخرية واستهجان، حتى من بعض اللاعبين في سيرك "العملية السياسية" نفسها، وقد فضحت الانتفاضة هذا كله مدلّلة على أن اليأس من إمكانية التغيير يعني مزيدا من الإحباط والمعاناة، ومزيدا من النهج الطائفي وسياسات القمع والنهب واللصوصية، وترسيخا لهيمنة دولة "الولي الفقيه" على القرار العراقي.

في موازاة ذلك، ارتفع صخب وصراخ، وظهرت سردياتٌ مخادعةٌ، يلوكها من تنطّع لركوب الموجة، وشرع في وضع أوراقه المهترئة على الطاولة، بدعوى الدفاع عن المنتفضين أو المشاركة معهم.. خذ مثالا قيادات حزبية ومراجع دينية ومسؤولين رسميين أرادوا القفز من السفينة، بعد إدراكهم أنها في طريقها إلى الغرق. خذ مثالا أيضا ناشطين يقيمون خارج البلاد، كانوا جرّبوا حظوظهم في الوصول إلى الوزارة أو النيابة من قبل وفشلوا، ويرون في التغيير المحتمل فرصةً لاختبار حظوظهم من جديد، وبادّعاء وقوفهم مع المتظاهرين، وحتى الزعم بقيادتهم الانتفاضة، هذا كله بدا أشبه بهواءٍ في شبك، ولم يلتفت إليه أحد! على الأرض، ظلّت قوة الانتفاضة تتبلور وتتعاظم من خلال صمودها واختبارها أشكالا وصيغا حركيةً تتوافق ومنعطفات الطريق، اعتصامات، إضرابات، عصيانا مدنيا، وحركة لافتة على امتداد الساحات والجسور.

هكذا تتجذّر وتبقى حية، ويبقى هدف التغيير نصب العين والعقل، التغيير بمعنى تأسيس جديد للعراق، وبين ما يعنيه بناء الدولة وترسيخ الديمقراطية وتطوير الاقتصاد واحترام التنوع الاجتماعي ونشر الثقافة السياسية القائمة على هوية وطنية وتعايش مدني.

ولكن يبقى مربط الفرس كامنا في اعتماد قيادةٍ مقتدرةٍ تنبثق من بين صفوف المنتفضين الشباب أنفسهم تضع إطارا تنظيميا دقيقا، وترسم صورةً للحراكات المطلوبة في كل أنحاء البلاد، وتعمل على إرساء حالة وعيٍ بين صفوف الشعب، وتخلق روحا تعاونية بين أفراده، ولا تدع مجالا لهذه الجهة أو تلك بركوب الموجة، كاشفةً بالضرورة عن العناصر التي قد تتسلل إلى جسم الانتفاضة لتحقيق غايات شرّيرة.

إن أياما صعبة وقاسية قد تسبق النصر النهائي، والتغيير لا يتحقّق دفعة واحدة. ولكن يكفي أن يكون قطار التغيير قد وضع أولى عجلاته على السّكة، وأن العراقي قد اطمأن أنه سيحصل على حقوقه، وأن بلده سيرجع إليه.