ماذا بعد قتل البغدادي؟

سمير الزبن
سمير الزبن
2019/11/02 الساعة 12:14 صباحاً

نجحت الولايات المتحدة في قتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أبو بكر البغدادي، بعد آلاف الطلعات الجوية لقصف مواقع في سورية والعراق ومئات الضحايا لهذا القصف في البلدين. وبعد ملاحقة طويلة، قتلت الولايات المتحدة المطلوب الأول والأغلى في العالم، كما قتلت قبله زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي كان المطلوب الأغلى في العالم حينها. شكر الرئيس الأميركي روسيا والعراق وتركيا وسورية لدعم هذه العملية. 

تستطيع الولايات المتحدة أن تدّعي إنجازاً في قتل البغدادي، ويستحق القضاء على واحدٍ من رؤوس الإرهاب المخاطرة من أجل حماية أرواح الأبرياء، فقد روعت المنظمة التي أدارها البغدادي سكان مناطق واسعة في بلدين يعدّان بالملايين. لذلك، لا يمكن التقليل من حجم الإنجاز في القضاء على رأس تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن أسئلة تبقى في هذا الصدد: في أي سياق وأي ظروف تم قتل البغدادي، ومن قبله بن لادن؟ وهل هذه المنظمات الإرهابية مجرد نبت شيطاني يمكن القضاء عليها بالقضاء على رأسها؟ وهل قتل زعيم متطرّف إرهابي مثل البغدادي يقضي على البيئة التي أنتجته وأنتجت تنظيمه؟

لا يمكن قراءة تاريخ الإرهاب من دون قراءة تاريخ الاستبداد في المنطقة، كما لا يمكن قراءة تاريخ الحركات الإرهابية/ الجهادية من دون قراءة آلية استخدامها، كذلك، لا يمكن قراءة هذه الحركات من دون النظر إلى اللحظة التاريخية، والسياق والظروف السياسية التي ولدت في سياقها. هذه القضايا الثلاث مجدولة مع بعضها.

بالعودة إلى تاريخ الظاهرة، يمكن القول إن الولايات المتحدة هي التي عبّدت الطريق أمام هؤلاء، وشكل الاجتياح السوفييتي لأفغانستان في العام 1978 بداية انطلاق هذه الجهادية العالمية، فقد تم توظيف المعترضين الإسلاميين على حكوماتهم في المنطقة العربية وتصديرهم إلى أفغانستان لرد الخطر الشيوعي الملحد الذي احتل بلداً مسلماً. حسب الولايات المتحدة لم يكن هؤلاء في وقتها إرهابيين، على الرغم من أن بعضهم قام بعمليات قتل إرهابية في بلده، وهرب منه، لأنه ملاحق فيه.

ولكن هؤلاء الساخطين، المعترضين، الإرهابيين، الذين حملوا الصبغة الإسلامية ورايتها، كان يمكن توظيفهم واستثمارهم في الحرب ضد الروس في أفغانستان، ولأن استثمارهم كان رابحاً للولايات المتحدة، أصبحوا "مقاتلين من أجل الحرية"، يحب دعمهم وتزويدهم بالسلاح في مواجهة الاتحاد السوفييتي، العدو الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب الباردة. بذلك، تمت إعادة توجيه هؤلاء إلى أفغانستان بتسهيلات دولٍ كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة والسعودية وباكستان.. وغيرها. كانت الحرب التي هزم فيها الاتحاد السوفييتي مدخلاً لانهيار المنظومة الاشتراكية، ولتفكك الاتحاد السوفييتي ذاته. باختفاء العدو الرئيسي لزمن الحرب الباردة، لم تعد هناك حاجة لبعض القوى التي تم استثمارها في الصراع الأفغاني ضد السوفييت، والذين كانوا قبل أشهر "مقاتلين من أجل الحرية". تُركوا لمصيرهم، وبذلك تم التخلي عنهم، كما تخلت الإدارة الأميركية أخيرا عن الأكراد في سورية، بعدما خاضوا معركتهم مع "داعش" لمصلحة الولايات المتحدة. عادت دولهم لتتعامل معهم كإرهابيين ومطلوبين لجرائم ارتكبوها في بلدانهم، ما ولَّد في حينها ما عرفت بمشكلة "الأفغان العرب" الذين رفضت دولهم استقبالهم. لم تتوقف الولايات المتحدة عن دعم الاستبداد في المنطقة مع انتهاء الحرب الباردة، الاستبداد الذي لاحق وسجن كل معارض له، إسلاميا أم يساريا أم ليبراليا، ما فاقم في تردّي الأوضاع في المنطقة على كل الصعد، وفي مقدمتها أوضاع الحريات. إن ترك هؤلاء لمصيرهم جعلهم يعيدون النظر بمواقفهم، وتحوّلوا إلى التعامل مع الولايات المتحدة عدوا، وبذلك تغيرت اتجاهات البنادق.

تفاقم أوضاع المنطقة بعد الحربين العراقية ـ الإيرانية (1989)، وحرب إخراج العراق من الكويت (1991)، أوجد البيئة الملائمة لعمل المجموعات الجهادية/ الإرهابية، ففي سياق منع أي عمل سياسي في كل الدول العربية تقريباً، بات العمل تحت الأرض والتكفير من وسائل الاعتراض على الأوضاع القائمة. وباتت استراتيجية نقل مواقع هذا الجماعات من أفغانستان وباكستان إلى المنطقة تجد البيئة الملائمة لها. ومع الاحتلال الأميركي للعراق (2003)، وإحداث مظلومية سنية في سياق نظام طائفي انتقامي فاسد، مرعي من الولايات المتحدة، جعل البيئة المحلية العراقية حاضنةً لهذا النوع من السخط، ما أدى إلى استقطاب الحالة الجهادية. كما وظف النظام السوري الحالة الجهادية الراغبة في الذهاب إلى العراق، من خلال تسهيل الطريق لها، بإشراف أجهزة المخابرات السورية.

في هذه الظروف المتردّية باستمرار، نمت هذه الظاهرة  التي تم توظيفها بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، بوصفها الحالة البشعة البديلة عن الأنظمة القائمة، في حال العمل على إسقاطها، وليس إعلان "الدولة الإسلامية" على أجزاء من العراق وسورية، سوى دفع النموذج الإرهابي إلى حالته القصوى في التخويف، وكأن السلطتين في كل من دمشق وبغداد أرادتا في السماح (اقرأ مساعدة) لهذا النموذج بالتمدّد، إظهار النموذج الذي سيحصل عليه الغرب في حال التفكير في إسقاطها. ولم تشكّل "دولة الخلافة" التي أعلنها البغدادي أي خطر على كل من النظامين في دمشق وبغداد، بل على العكس، أرست نموذجاً فجّاً أردأ ما يمكن الحصول عليه، بالتالي ظهرت هذه الأنظمة أرحم من الظاهرة الإرهابية.

بالتأكيد، لم يكن استخدام هذه الظاهرة السبب الوحيد لانتشارها، بل شكلت الأوضاع اليائسة للفئات الاجتماعية الخزان البشري الذي زوّد هذه القوة بالطاقة البشرية. ولأن اليأس البشري يولد الحالة العدمية التي تعتمد عليها هذه القوى السياسية العدمية والإرهابية، فلا شك أن القمع البشع والانتهاك لحياة الناس في العراق، خصوصا للأماكن السّنية، لعب دوراً أساسياً في دعم الخزان البشري لتنظيم الدولة الإسلامية. كما أن القمع الوحشي والتدمير بالبراميل المتفجرة لمناطق السنة في المدن السورية عزز من الخزان البشري لكل المجموعات الإرهابية في سورية، في مقدمتها الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، وغيرها.

لم يتم الاقتراب من البيئة المنتجة للإرهاب. ولذلك من المفارقات في معالجة الولايات المتحدة للإرهاب أنها عندما قتلت بن لادن حصلت (وحصلنا) على البغدادي الأكثر تطرّفاً، ولكن المفارقة في المنطقة، أن ضحايا البغدادي في المنطقة فاق عددهم عشرات الأضعاف ضحايا بن لادن. ولذلك، القضاء على هذا الرجل اليوم يجعلنا ننتظر شخصا أسوأ، طالما الأسباب التي صنعت الخزّان البشري لهذه القوى قائمة وتتمدد، وفي مقدمتها الاستبداد السياسي. ولا مجانبة للصواب في القول إن الولايات المتحدة والدول التي شكرها ترامب للمساعدة بقتل البغدادي هي المسببة أصلاً للظاهرة الإرهابية.