آخر الأخبار :

تونس والحاجة إلى رجال دولة

سمير حمدي
سمير حمدي
2019/11/25 الساعة 10:29 صباحاً

منذ بداية الانتقال الديمقراطي التونسي، كانت الحكومات تتشكل وتنهار وتنشأ وفق ائتلافات متغايرة من حيث التركيبة والأحزاب، ولكن المشترك بينها جميعا هو عجزها عن إيجاد حلول ناجعة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تغرق فيها البلاد. فعلى الرغم من الثورة التي جرت في تونس، فإن التحول الجذري المهم فيها انحصر في الانفتاح السياسي، وتوسع مجال الحريات، وهذه توجهات لا تعود إلى قرار حكومي، وليست منّة من الدولة، وإنما هي نتاج الثورة الشعبية. وخارج هذا، ظلت الدولة تسير وفق النموذج الموروث من زمن الاستبداد، فمنوال التنمية المعتمد حاليا هو نفسه الذي تركه نظام بن علي بكل نقائصه، وما يثقله من ديون وسوء تصرّف في الموازنة العامة، وعجزت الحكومات المتتالية عن الخروج من هذه الدائرة، وهو نفسه ما ينطبق على التعليم والصحة والتسيير الإداري، بما جعل الحكومات المتتالية لا تنجز شيئا مذكورا يشعر به المواطن في حياته اليومية. وقد لازم الفشل الوزراء الذين تولوا مناصبهم بعد الثورة، لعجز فيهم عن إيجاد البدائل، أو تقديم تصورات إصلاحية عميقة، بل زاد بعضهم في تأزيم الأوضاع، مثلما جرى في قطاعات الفلاحة والتعليم والسياحة. 

ويمكن القول إن الدولة التونسية مستمرة منذ 2011 من خلال نجاعة هيكلها الإداري الذي يحفظ توازنها، واستمر في عمله، حتى عندما غابت السلطة السياسية أو كادت، إلا ان الإدارة لا يمكنها أن تحقق تنميةً، أو تصنع إصلاحا، فهي على الرغم من تماسكها ينخرها الفساد والمحسوبية ومقاومة كل مبادرات الإصلاح أو التطوير، ولكنها في الوقت نفسه تظل هي الموقع الحقيقي الذي تتشكل فيه الدولة الرسمية، في ظل شخصياتٍ باهتة، تداولت على مواقع وزارية من دون تأثير. مشكلة الطبقة السياسية الحالية في تونس أنها لا تملك مواصفات رجال الدولة الحقيقيين، القادرين فعلا على التأثير والتغيير والإلهام، ففي ظل قياداتٍ حزبيةٍ ما زالت تعاني عُقَد الأيديولوجيا 

"قرار الإصلاح الهيكلي يحتاج رجال دولة يملكون رؤية واضحة، وقدرا من الشجاعة لمواجهة ما يترتب عن القرارات الإصلاحية من ردود أفعال سلبية"  وهوس تسجيل المواقف واستعادة صراعات الجامعة في الثمانينيات، من الصعب أن نتحدّث عن وجود وزراء يمكنهم تغيير الصورة النمطية السائدة عن السياسي التونسي لدى الشارع، والذي لا يرى فيه غير انتهازي يسعى إلى السلطة، ليستفيد منها ماديا من دون أن يقدم منجزا حقيقيا يذكره له التاريخ، فهل يعقل أن أحزابا سياسية برلمانية ما زالت تستعيد صراعات وهمية لا تخدم المصلحة الوطنية؟ فما علاقة المواطن التونسي بصراعات جمال عبد الناصر مع الإخوان المسلمين التي يستوردها بعضهم، ويجعلها مقياسا لمشاركته في الحكومة، وما الذي يهم الشارع في استعادة رمزية بورقيبة، ومحاولة إيجاد صورة نمطية له تجعله موضوعا للنقاش داخل مجلس النواب. ينبئ هذا كله بأن النواب، وهم من المفترض أن يكونوا رجال الدولة ومصدر سلطتها في التشريع، ما زالوا في مرحلة النزاع الأيديولوجي السلطوي المنتزع من سياقه الواقعي، فهذه الأحزاب التي نالت مقاعدها جميعا بأصواتٍ أقل مما ناله رئيس الدولة لم تدرك مغزى رسالة الشارع التونسي لهؤلاء الذين صعدوا إلى مجلس النواب بقانون أكبر البقايا الكفيل أن يجعل هذا أو ذاك نائبا بعدد محدود جدا من أصوات الناخبين.

يرغب الشارع التونسي في تغيير جذري يمس حياته اليومية، أو على الأقل يشعره بأن هناك تحولا فعليا في مجالات التنمية والاقتصاد والإدارة، غير أن ضعف السياسيين كان دوما مصدر خيبة أمله مما يراه من كوميديا الصراع السياسي في مجلس النواب، واستمرار حالة الأوضاع في التدهور مع التركة الثقيلة التي تتركها كل حكومة للحكومة التي تليها، فمن المتوقع أن تواجه الحكومة المقبلة جملةً من الصعوبات، أولها ما سيعرفه قطاع المحروقات من زياداتٍ تثقل كاهل المواطن، بالإضافة إلى ارتفاع معدل التضخم، وهو مؤشر سلبي سينعكس على ارتفاع جديد للأسعار.

وإذا أضفنا إلى هذا ضعف نصيب التنمية من الميزانية في مقابل ارتفاع كتلة الأجور التي تصل إلى ما يقارب 40% من الميزانية يمكن القول إن الخروج من الأزمة الاقتصادية بعيد المنال. وفي غياب تصور وطني يجمع الحكومة والمعارضة للخروج من الوضع الحالي، من الصعب الحديث عن تنمية، فقرار الإصلاح الهيكلي يحتاج رجال دولة يملكون رؤية واضحة، وقدرا من الشجاعة لمواجهة ما يترتب عن القرارات الإصلاحية من ردود أفعال سلبية من المنظمات المتنفذة في البلاد، وفي مقدمتها اتحادا الأعراف والعمال، ولدى كل منهما حسابات تناقض المسار الإصلاحي الذي يبدو أنه لن يجد سبيله إلى التحقق على الأقل في المدى القريب، إلا إذا خالفت الحكومة الجديدة التوقعات، وما أظنها تفعل.