آخر الأخبار :

هاندكه.. "سربرنيتشا" والإوز السويدي

معن البياري
معن البياري
2019/12/13 الساعة 11:38 مساءً

أحبّ الفائز بجائزة نوبل للآداب، النمساوي بيتر هاندكه (77 عاما)، في كلمته المقتضبة، في حفل تسلّمه ميدالية الجائزة وشهادتها، الثلاثاء الماضي، أن يترنّم بالإوز وحقول الفراولة البرّية، وأن يشتهي للأرض كلها أن تكون بجمال السويد. وبدا مزاجُه في غنائيّته هذه رائقا. وربما استدعت مناسبةُ تكريمه بالجائزة الكونيّة منه هذا المزاج، الجائزة التي شنّع عليها، قبل أعوام، لمّا قال إنها أحيانا تصنع أيقوناتٍ مزيفةً للأدب. وفي محاضرته في الأكاديمية السويدية، قبل الحفل الأنيق بحضور ملك السويد وزوجته الملكة، حشَد الكاتب الذي لم يأنس له قرّاء العربية كثيرا، وقد تُرجمت إليها ثمانيةٌ من أعماله (مملّة في أغلبها)، حشَد مقتبساتٍ من نصوصٍ وشعائر دينية، وجاء كثيرا على السيدة العذراء، وكأنه آثر صورةً طهرانيّةً له، وتكلّم عن أقواس كنيسةٍ رومانيةٍ بالقرب من قريته مسقط رأسه، وجاء على أثرٍ عميقٍ لحكايات أمّه (انتحرت عن 51 عاما) على أعماله الروائية والمسرحية. وفي الحفل والمحاضرة، تجاهل هاندكه ضجيج الاحتجاج الواسع في العالم على منحه جائزة نوبل بسبب انتصاره للقوة العسكرية والمليشياوية الصِّربية في حرب البوسنة، وتشكيكه في مسؤوليّتها عن مجزرة سربرنيتشا التي قضى فيها نحو ثمانية آلاف بوسني مدني، ولدفاعه عن الزعيم الصربي المتطرّف، سلوبودان ميلوسيفيتش. والظاهر أن مزاجه تعكّر، بعض الشيء، لمّا رمى صحافيٌّ عليه سؤالا في هذا الخصوص بعد محاضرته، فلم يُجب، وقال إن الوقت غير مناسبٍ للرد على استفسارات "الجهلة". والظاهر، قبل هذه القصة وبعدَها، أن الكاتب الشهير ذو طبيعةٍ متحفّظة، ولا أريحيّة فيه كالتي يأملها ناسُ الصحافة فيمن يحاورونهم، فلمّا سُئل عن سؤالٍ (مفتعلٍ ربما؟) قبل سنواتٍ كيف أمكنه أن يبقى كاتبا معاصرا لأجيالٍ جديدة، خاطَب سائلَه: إن كنتَ تعتبر هذه صفةً جيدةً تميّز كاتبا، فأنا أعتبرها إشارةً إلى أن أدبي ليس بخير. 

قد يكون بيتر هاندكه كاتبا جيدا، غير أن المؤكّد أنه ليس فلتةً في منزلة روائيين وشعراء ومسرحيين حلّقت أعمالهم عاليا في فضاء الجمال الإبداعي الرفيع، أنصفتهم "نوبل" أو تناستهم. وهو في جودة نصوصٍ له، وسويّته غير الثقيلة، يُشابه كثيرين أعطتهم الأكاديمية السويدية الجائزة. وهذا يجعل النقاش في مسألة أهليّته أو عدمها لتكريمِه بها تفصيلا، سيّما وأن النقاش الذي فرضه مانحو الجائزة يتعلّق بما إذا كان هاندكه يستحقّ هذا التقدير العالمي، فيما هو يشكّك في اقتراف مذبحةٍ كبرى، ونصيرُ مجرم حربٍ اسمُه ميلوسيفتيش. والمرجّح أن أدبه، المطبوع غالبا بالذهنيّة، ليس من "الأعمال المميّزة التي تنحو إلى المثاليّة"، والتي أوصى ألفرد نوبل بتكريم أصحابها بالجائزة التي تحمل اسمه.. تُراها، إذن، فضيحةٌ أخرى ورّط فيها أعضاء الأكاديمية السويدية جائزة نوبل بها، أم هو صحيحٌ، وعلينا التسليم به بلا أخذٍ وردّ، ما دافعت به الأكاديمية عن قرارها بالالتفات إلى أدب هاندكه، وليس إلى شخصه؟ ولكن، يستقيل اثنان من أعضاء لجنة الجائزة، وواحدة من أعضاء الأكاديمية التي يرفض سكرتيرها الدائم، بيتر أنجلاند، حضور الحفل الملكي لتوزيع الجوائز، احتجاجا على إعطاء الجائزة لهاندكه (أو أدبه؟).

وهذا يعني أن أمراض هذه المؤسّسة (الأكاديمية السويدية)، الطوطميّة المتعالية، الفقيرة الإحساس بسعة العالم وتنوّعه وتعدّد جغرافياته وثقافاته، أكثر مما قد نظن، ليس فقط بدليل فضيحة الجنس والمال والفساد الفادحة التي عطّلت إعلان الفائز بالجائزة العام الماضي، بل أيضا لأن أدبا محدود المكانة تم تكريم أصحابه بالجائزة المثقلة بأسبابٍ كثيرةٍ لنقدها.

مظاهرةٌ ساخطة في استوكهولم واكبت حفل تسليم جوائز نوبل للفائزين بها، احتجاجا على وجود بيتر هاندكه بينهم، وهذا أمرٌ ليس هيّنا، كما مقاطعة عدة بلدانٍ الحفل، وكذا بيانات الاستياء الوفيرة التي أشهرها مثقفون وازنون. وحدثٌ له قيمتُه استغناء السويدية الفائزة بجائزة نوبل للسلام قبل أعوام، كريستينيا دوكتار، عن ميدالية الجائزة، لغضبها من تكريم صديق ميلوسيفيتش، سيّما وأن هذه الطبيبة كانت من شهود الجرائم الصّربية في البوسنة. أما استنكار وزارة الدفاع التركية فنافلٌ، بعد أن قال الرئيس أردوغان ما قاله عن انعدام قيمة جائزة نوبل للآداب لديه. ولكن ليس على الكلام جمرُك، والكثير الذي قيل في المسألة لم يحفل هاندكه بشيءٍ منه، فآثر الكلام عن الفراولة البرّية والإوز السويدي.