المنفى ولغتنا العربية

رشا عمران
رشا عمران
2019/12/23 الساعة 12:12 مساءً

لمفردة النفي معانٍ عديدة في اللغة العربية، فيعطي مثلا معجم المعاني الجامع للنفي المعاني التالية: الإبعاد عن الوطن والطرد من البلاد، الرفض، خلاف الإيجاب والإثبات، التعارض... وإذا ما تم تشديد الياء في آخر الكلمة سوف تأخذ معاني أخرى مختلفة: النفيّ من النفاية، نفيّ الريح، ما تتركه الريح من الرمال، ونفيّ المطر هو رشاشه ورذاذه، ونفيّ القِدر وهو ما ترميه عند الغليان، ونفيّ الرحى وهو الطحين الذي يبقى في أواخر الطحنة... وربما تدل هذه المفردة الواحدة على جمال لغتنا العربية وتنوعها وغناها، اللغة التي تزخر بمعان هائلة لمفرداتها، وتكاد تكون متفرّدة بهذا الزخر والغنى بين لغات العالم. لو تأملنا في المعاني السابقة لمفردة النفي، لربما لن نتمكّن من إيجاد صلةٍ لغويةٍ بين معنى الكلمة بالياء المشدّدة وبينها بالياء الخفيفة، غير أن ثمّة بعدا آخر للمعنى، لا علاقة له بمادية اللغة، هو بعدها النفسي، وهو ما يعطي اللغة قوتها واستثنائيتها، فالنفي، بالياء الخفيفة، هو الطرد من الوطن، وهو الرفض والتعارُض. هو بالمعنى العام أمرٌ يصدر من سلطةٍ عليا بحق من هو أدنى منها. السلطة السياسية هي من تأمر بطرد أحد من البلد، وسلطة القضاء أو سلطة المجتمع أو سلطة القيم الموضوعة اجتماعيا أو دينيا، هي من يحدّد الإثبات من النفي، وسلطة الحقيقة (يعتقد أي كان أنه يملكها) هي من تعطي الحقّ بنفي رأي آخر التعارض معه. ثمّة سلطةٌ تقف وراء مفردة النفي بيائها الخفيفة، مثلما هناك سلطة وراء المفردة بيائها المشدّدة، فالقوة سلطة. الريح وهي تترك وراءها الرمال هي سلطةٌ تأخذ ما تريد وتترك ما تريد. المطر وهو يترك رذاذه على الأرض سلطةٌ قوية أيضاً. الرحى التي تطحن القمح، وتنفي عن جوانبها قشره هي سلطة. هكذا إذن، ثمّة سلطةٌ قويةٌ تقف وراء مفردة النفي، سلطة ليست فقط مادية لها أدواتها وحيثياتها الملموسة، بل أيضاً تلك التي ندركها بالحدس، أو بالتأمل ربما. سيقول أحدٌ ما إن هذه فكرة غريبة، أو فكرة شاعرةٌ تحاول تأويل اللغة كما تريد. ربما، ولكن ألا تتعامل أنظمتنا السياسية والسلطات عموما، معنا، نحن الشعوب، كما تتعامل الرّحى مع القمح، أو كما تتعامل الريح القوية مع المساحات والأمكنة التي تطاولها، ماذا يعني أن يهجّر نظامٌ ما قسماً من شعبه، وماذا يعني أن ينفي نظام ما مواطنين خارج وطنهم؟ هو فقط يعتبر من قرّر نفيهم وتهجيرهم: نفايات، عليه التخلص منها، ليبقي على (الصفوة) التي يقترحها هو، الريح القوية أيضا تتخلّص من التراب والرمال التي تحملها، تنفيها إلى مكانٍ ما، وتضيء في طريقها لتعاود الكرّة. ليست شعوبنا، في نظر هذه الأنظمة، أكثر من رمال، يمكن إلقاؤها في أي مكان، يمكن التخفف من ثقل مطالبها ووجودها عبر نفيها أو تهجيرها إلى أي منفى. قد يكون هذا المنفى في الخارج، وقد يكون في البراري، وقد يكون السجن والمعتقل، وقد يكون فرض نظام حياة اجتماعية مغايرة، وقد يكون المقبرة. المنافي متعدّدة بالنسبة للأنظمة المستبدة، وكلها مُباحة، إذ لا قوانين لتحاسب، الأنظمة هي القوانين، ارتباطاتها بمصالح عابرة للأمكنة وللأزمنة هي القوانين، الشعوب التي تشبه الرمال المطحونة ليست على بال أية سلطة، أينما كانت، لا شيء يحمي هذه الشعوب ولا أحد، لطالما كانت شعوبنا العربية تشبه الرمال في نظر حكّامها، منذ زمن طويل جدا، هل لهذا تملك لغتنا أبعادا نفسية لمعاني مفرداتها؟ هل تاريخ الخوف والقمع والقهر جعلنا نراكم طبقاتٍ أخرى لمعاني لغتنا العربية، لا يدركها إلا نحن؟ هل لهذا أيضا يعتقد السوريون المنتشرون في أنحاء العالم، وربما العرب أيضا، أن اللغة هي المنفى؟ فلغتنا ليست فقط أداة تواصل وتفكير وتدوين، وليست فقط ثقافة، هي تاريخٌ طويلٌ جداً من الاستبطان والإعلان والانزياح والمجازات والتورية والجناس والطباق. لا يحدث للغة مجتمع مستقر وأفرادُه مطمئنون، ويعيشون من دون خوف، تلك الانزياحات والتورية تحدث في لغة المجتمعات الخائفة التي يجعلها الرعب تعيش ظاهراً وتخفي باطناً. اللغة هنا هي ابنة الظاهر والباطن، بينما ينتشر السوريون والعرب اليوم في مجتمعاتٍ تعيش كما تفكّر. باطنها اللغوي هو ذاته ظاهرها. على السوريين حين يبدأون تعلم اللغات الجديدة أن يتخلّصوا أولاً من الباطن المتراكم منذ تواريخ مهولة. من هنا يبدأ المنفى، من لحظة الاصطدام تلك مع اللغة. الأمكنة لم تعد هي المنافي مع التطوّر المريع لوسائل التواصل. افتراقات اللغة هي المنفى الأول أو ربما هي المنفى الوحيد حاليا.