مقتل قاسم سليماني عند السوريين

خطيب بدلة
خطيب بدلة
2020/01/14 الساعة 04:07 صباحاً

يعتقد بعض السوريين أن الله سبحانه وتعالى أماتَ قاسم سليماني انتقاماً لدماء "النساء والأطفال والشيوخ" الذين قتلهم على أرضنا خلال بضع السنوات الماضيات. يبدو هذا الكلام، أول وهلة، صحيحاً، فالسوريون رأوا بأمّهات أعينهم حجمَ الإجرام الذي ارتكبته إيران، عبر رأس حربتها سليماني بهم، وببلادهم، وأيقنوا أنه لولا هذا التدخلُ الإيراني لتخلصوا من نظام القتل الأسدي منذ زمن طويل. ولكن هذه العبارة تنطوي، في الحقيقة، على مغالطةٍ غريبة، فالذي قتل قاسم سليماني هو فصيل من الجيش الأميركي.. قتلوه ضمن عمليةٍ عسكريةٍ بارعة، مبنيةٍ على معلوماتٍ مخابراتيةٍ لا تخرّ الماء، نُفِّذَتْ بناء على أمرٍ صريحٍ من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي كان يعاني، قبل هذه العملية، من تهديد خصومه بسحب الثقة منه، ومنعه من إكمال الدورة الرئاسية الأولى. كاتب هذه المقالة مسلم، قارئٌ للقرآن والأحاديث النبوية، ولكنه لم يعرف قط أن الدين يأمرنا أن ننسب أفعال البشر العادية أو الاستثنائية إلى الله، وأن الله جل جلاله يتدخّل في حركة سياسات الدول والخصومات التي تنشأ بينها.. ومن جهةٍ أخرى؛ إذا سَلَّمنا بأن قاسم سليماني قُتل بمشيئة إلهية، فلماذا يكون ذلك انتقاماً لدماء النساء والشيوخ والأطفال، ويُستثنى الرجالُ والشبانُ من هذه المعادلة؟ هل هم شيءٌ فائض عن الحاجة؟ أم أن موتهم أمرٌ منتظر، ولا ضير فيه؟ هناك سوريون يعلقون على الأمر بطريقة أخرى، فترامب، بنظرهم، رجلٌ ظالمٌ يقود دولة ظالمة، وقاسم سليماني ظالمٌ يمتهن القتل لمصلحة دولةٍ ظالمة، والله تعالى يضرب الظالمين بالظالمين، لذلك ألهمَ الأولَ أن يقتل الثاني. إنه إصرارٌ غريبٌ على شطب أية تركيبة سياسية موجودة على سطح الأرض، واعتبار ما يجري كله من تدبير السماء. لعل أصحابَ هذا الزعم يريدون أن يضعوا مَنْ يستمع إليهم في منطقة خطرة، فيَظهر أيُّ كلام يقولُه كما لو أنه تجديف، أو ضعف إيمان، ومن ثم لا يستطيع أن يسألهم، مثلاً: لماذا لا يُضْرَبُ حسن نصر الله ببشار الأسد وكلاهما من الظالمين؟ ولماذا لم يوجّه ترامب صواريخه على مكان إقامة بنيامين نتنياهو، أو فلاديمير بوتين، أو بشار الأسد، وهؤلاء من الظالمين؟ لا يمكن الخروج من دوامة التفكير الإثني بسهولة. مثلاً، أنت تبحث عن بوصلةٍ يمكن أن توقف مسلسل الخراب والهجرة واللجوء والضياع الذي تجري أحداثه على أرض وطنك، فتكتب إننا فرحنا لمقتل سليماني، لأنه كان يعادي وطنَنا السوري، وغزا أرضَنا بجيوشه، وقتل رجالنا ونساءنا وأطفالنا وشيوخنا، وساهم في إجهاض حلمنا بتغيير النظام الاستبدادي، وهو لا يختلف عن أبي بكر البغدادي في شيء، لأن الاثنين كانا يحملان أيديولوجيا غير صالحةٍ لعصرنا الحديث.. ينبري لك أحدُ المحللين قائلاً إن قاسم سليماني كان يقتلنا لأنه فارسي ونحن عرب. تقول له إن إيران دعمت أميركا، ذات يوم، في حربها على حركة طالبان الأفغانية، وهؤلاء ليسوا عرباً. يرد عليك بحماسِ مَنْ اكتشف قانون الإزاحة للتو: ولكن الأفغان مسلمون. تقول له: الإيرانيون مسلمون أيضاً. فيقول لك: ولكنهم شيعة ونحن سنّة. لم يقف الأمر، حقيقة، عند هذا الحد، فهذه الفكرة عندما طرحت أثارت نوعاً آخر من الانقسام في الرأي الذي لا يستند إلى عقلٍ أو منطق. الرأي الأول يأتيك من طرف منحبكجية الأسد، ويقول إنك تساوي بين قاسم سليماني بطل تحرير القدس، جيفارا العصر الحديث، وأبي بكر البغدادي الذي يعتنق الإرهاب ويصدّره إلى بلاد العالم المتحضر، والرأي الآخر يأتي من ورائك، مؤيداً البغدادي، مترحّما على روحه الطاهرة. بصراحة مطلقة؟ كل شيء في هذه البلاد ممكن، عدا أن يطالب المرء بأن تكون بلادُه علمانية، ديمقراطيةً يسودها القانون، والسلام، والعدل. مَن يطالب بذلك يجد الجميع في مواجهته.