آخر الأخبار :

نظارتها السوداء

سما حسن
سما حسن
2020/02/14 الساعة 12:27 صباحاً

بدأت أشعر بالشفقة على الشقراوات، وذوات البشرة البيضاء، حين قرأت عن دراسةٍ تفيد بأن هؤلاء النساء المصنَّفات أجمل الجميلات، في نظر العرب، على الأقل، هن الأكثر تعرُّضًا لغزو الشيخوخة في بشرتهن. وقد بدأت أشفق على أمي، لهذا السبب، وأنا لا أتخيّل التجاعيد والغضون والشقوق تغزو وجهها ذا الملامح الشقراء المشرّبة بحمرة. شعرت بالهلع فعلا، وقد حدث ذلك، وأنا فتاة مراهقة، حين رأيت صورة للشقراء الجميلة، نادية لطفي، حين تقدّم بها العمر، وكان أول من أبدى نفوره من صورتها أمي أيضا التي كانت تعجب بجمالها، وقد سحبها من مطبخها فيلم "النظّارة السوداء"، ومصمصت شفتيها حسرةً على حظ النساء، وهي تتابع أحداثه. يبدو الأمر مكرّرا، وأنت تكتب كل مرة عن واحد، أو واحدة من أهل الفن الجميل بعد رحيله، ولكن الحقيقة أن كل واحد يختلف عن الآخر. تخيل حياتك، حين كنت مراهقا، أو في مقتبل الصبا، فأنت لا تجد أمامك إلا التلفزيون ذا الشاشة ذات اللونين، الأبيض والأسود، ولكنك من خلاله تجد ما يشبع فضولك لعالم الرجل والمرأة، وحيث تنظر إلى كل شيء ببراءة ورومانسية، وبأن العلاقة بينهما غناء وتنهُّدات وسهر ودموع وفرحة لقاء. تخيّل سذاجتك، في ذلك الوقت، لتفسر سرَّ تعلُّقك بالأفلام التي لا تخرج عن هذا الإطار، حتى تستهجن أن الشقراء التي تقطر رومانسية، وبصوتها الذي تشوبه خشونة محبَّبة، قد أقدمت على القيام بدور شاذ، وسط أدوارها الرائعة الرقيقة، وهو دور بائعة الهوى في فيلم "أبي فوق الشجرة". لِلأيام المجيدة حنين، تلك التي كنتَ فيها ساذجا وطيِّبا، وترى الحب عناق أيد ومشيا بصمت بين الأشجار، ولا شيء يفتح عينيك على الحقيقة، إلا طابور الراحلين والراحلات، ففجأة وأنت تغرق في خضم هذه الحياة الإسمنتية القاسية، وتعيد حساب ميزانية البيت للمرَّة الألف تصدم بخبر وفاة نادية لطفي؛ ما يدعوك إلى التساؤل: ألم تمت هذه الحسناء، وهي في قمة الشباب؟! لأنك لم تعد تراها على الشاشة، والمرّات القليلة التي جلست فيها أمام فيلم عربي لم تفرّق بين البطلتين، فكلتاهما لهما الملامح التي صنعتها عمليات التجميل، حتى شعرت أنك أمام نسخ مكرَّرة لعروسة باربي الشهيرة مع ملابس مختلفة؟ أنت تطلق سؤالك المستغرب، وأنت لا تتخيّل أن العمر قد امتد بها، وأصبحت طاعنة السن، منكمشة الجلد، زائغة النظرات، وقد اعتدتَ أن تحفظ قالبها في برّاد ذكرياتك، بخصلاتها الشقراء، وعينيها البرّاقتين، وضحكتها التي يطرق صوتُها بابَ قلبك. أنت تكتب عن الحسناء الشقراء، وسوف تسمع من يؤنبك، ويطالبك أن تكفّ عن هذا، وهو لا يعرف أنك حين تنعى رحيلها، فأنت تنعى أيامك الجميلة معها، وتنعى ذكرياتك التي كانت حبيسة، وانطلقت، وأنت تسمع خبر وفاتها، مثل يوم أن علقت صورتها على جدران خزانة ملابسي الداخلية، والسبب أن كل البنات من جيل السبعينيات والثمانينيات كنّ يفعلن ذلك، خشية من الأب، وكنت أقوم بحيلةٍ سخيفةٍ لم تكن تنطلي على أمي التي كانت تفتح الخزانة، لكي تطمئن على مهارتي في ترتيب الملابس، كما علّمتني، فقد كنت أثبت دبابيس صغيرة، وأربط بينها حبالا، وأعلّق على هذه الحبال ربطات الشعر والأحزمة. ولاحِظوا أن ذلك الوقت هو موضة الأحزمة العريضة التي تعتصر الخصر، وكذلك الإيشاربات الملوَّنة التي تلتف حول العنق، وبذلك فهذه المعلَّقات كانت تشكِّل ستارا جيدا، لإخفاء صورة اقتلعتها من مجلة فنية شهيرة في وقتها (الكواكب)، وهي صورة لنادية لطفي، بعد أن أعجبتني في دورها في فيلم "النظارة السوداء". ولكن أمي اكتشفت الصورة، وصرخت بي مؤنِّبة، وهدّدتني بإخبار أبي، ونظرت مليًّا إلى صاحبة الصورة، وهي لا تصدّق، بعد أن هدأت قليلا، أنّ هذه نادية لطفي. لم تكن تتخيّل أن الشقراوات يمر بهن الزمن بقسوة، فقد بدأت علامات الزمن في الظهور على وجهها، ولم تكن أمي تعرف أن من أسبابي للتعلق بهذه الصورة خوفي عليها من مرور الزمن.