الخليج في ميونخ

معن البياري
معن البياري
2020/02/18 الساعة 02:57 صباحاً

نالت مسائل منطقة الخليج وشواغُلها حيزا واسعا في مناقشات مؤتمر (منتدى) ميونخ للأمن في دورته التي اختتمت أمس الأحد، بين مشاركين عديدين فيها. وليس هذا جديدا على المنتظم الرفيع، والذي يحرص رؤساء دول ووزراء ومسؤولون مختصّون على المساهمة في أعماله. وإذا كان مسوّغا القول إن لا جديد استثنائيا جاءت به "المكاشفات" التي أدلى بها هؤلاء، أقله في شأن منطقة الخليج، إلا أن في الوسع أن يلحظ واحدُنا مقادير من الأهمية لأكثر من إشارة  في أثناء المنتدى، من قبيل كلام وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، عن رسالةٍ بعثتها الرياض إلى حكومة بلاده، بعد قتل الجنرال قاسم سليماني، مطلع الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، غير أن وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، نفى بشكل مضمر هذا الأمر، لمّا قال إن لا اتصالات مباشرة بين بلاده وإيران. وفيما أظهرت كلمتا الوزيريْن أن مساحات التفاهم بين بلديهما ضيقة، فإن الوقوع على هذا الأمر لا يحتاج تسقّط ما يُحكى عنه في فندقٍ بالغ الفخامة في المدينة الألمانية، وإنما مراقبة المستجدّات الحربية اليومية في اليمن، والتي توضح أن الرياض ما زالت تستنزف نفسَها في وضعٍ عبثيٍّ ميداني، مُكلفٍ إنسانيا على اليمنيين. وبالطبع، مع تحمّل الحوثي قسطا مساويا من المسؤولية عن اهتراء الحال كله.  جديدٌ آخر عبر في الأثناء، قول وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، إن دولا تحاصر قطر وعدت بتسليم بلاده أدلّة على اتهامها الدوحة بدعم الإرهاب، غير أنها لم تفعل في أيٍّ من الأيام الألف منذ بدأ هذا الحصار. والبادي في قول الوزير التركي أن بلاده حاولت التوسّط لحل الأزمة المفتعلة الحادثة في الخليج، وأنها في وساطتها تلك لاحقت العيّار إلى باب الدار، غير أن هذا العيّار (الكذّاب) لم يأت بشيء. ويذكّر قول الوزير التركي، في ميونخ، بقول وزير الخارجية الكويتي، أحمد ناصر الصباح، أياما بعد بدء واقعة 5 حزيران (2017)، إن بلاده طلبت من الدول إياها أدلّتها على ما اتهمت به قطر، فتلقت الكويت من بعض هؤلاء قصاصات صحف (!). والظاهر أن يباس الرأس ما زال هو المتوطّن في خيارات الحاكمين في هذه الدول، وهي تُعاند نفسَها، ولا تريد أن تتجاوب مع أي جهودٍ باتجاه حل الأزمة. وهذا بعض التفاؤل الذي شاع، في نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول الماضيين، بعد الأنباء عن محادثاتٍ قطريةٍ سعوديةٍ، رشح، في حينه، أن أجواءها إيجابية، تبدّد، بعد أن كشف نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في مشاركته في منتدى ميونخ، عن تعليق تلك المحادثات في مطلع يناير/ كانون الثاني، الأمر الذي لا تتحمّل الدوحة المسؤولية عنه، على ما قال. وفي مقدور المراقب الحصيف أن يلحظ أن "التعليق" سعودي، وأنه تم بالتزامن مع واقعة قتل الولايات المتحدة الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، في بغداد، ما قد يعني أن الرياض ربما راهنت على مستجدّات ستطرأ في المواجهة الإيرانية الأميركية، تصب في حساباتها، ما جعلها تتراجع عن التقدّم الإيجابي الطفيف في الحوار مع الدوحة، والذي كان طيبا فيه أنه ظلّ خارج الإضاءات الإعلامية. أما أن يقول وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، الأسبوع الماضي، إن الأزمة الخليجية تمثل تحدّيا مستمرّا، وإنه يأمل أن يجد الخليجيون طريقة للخروج منها، فإن هذا كلامٌ لا يؤخذ على محمل الجد، وإن كان قائله وزير خارجية أهم دول العالم، بالنظر إلى أن عدة اختبارات لجدّية الإدارة الأميركية في حل الأزمة هذه دلّت على غياب الإرادة السياسية الحاسمة في البيت الأبيض في هذا الأمر. .. وما قيل في ميونخ، في شأن رسالةٍ سعودية تلقتها طهران من الرياض، وعن تعليق الأخيرة محادثاتٍ مع قطر، وفي ما يتعلق انعدام أدلة لدى دول الحصار على افتراءاتها ضد الدوحة، كلّه يؤدي إلى خلاصةٍ مرتجلةٍ، وعابرة، موجزها، أن التوهان السعودي في غير مسألة ومسألة ما زال على حاله.