آخر الأخبار :

هل انتهت الحملة الانتخابية للرئيس التونسي؟

سمير حمدي
سمير حمدي
2020/03/09 الساعة 06:16 مساءً

كان صعود قيس سعيد إلى منصب رئاسة الجمهورية في تونس حدثاً لافتاً أثار انتباه المراقبين، وشغل المتابعين للمشهد السياسي التونسي، فهذا المرشح الذي فاجأ الجميع، لحظة صعوده إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، لم يكن ينطلق من تاريخ مشحون بالعمل السياسي، أو النشاط الحزبي، أو حتى الحضور الفكري المؤثر في الساحة الثقافية. وعلى الرغم من أنه احتل المرتبة الأولى في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية بنسبة 18%، إلا أن عوامل أخرى تضافرت لتضمن فوزه بنسبة كبيرة في الدور الثاني، حيث دعمته غالب القوى الحزبية، وجزء مهم من الشارع المستقل، في مواجهة المرشح الآخر، نبيل القروي، الذي كانت تحوم حوله شبهات فساد، ولم يغادر الإيقاف على ذمة التحقيق إلا قبل التصويت بأيام قليلة. مع صعوده إلى المنصب، كان على الرئيس الجديد أن يثبت أهليته للمنصب من جهة، وأن يتفرّغ لأداء دوره الدستوري من ناحية أخرى، غير أن ثقل المسؤولية وغياب الدراية وانعدام الممارسة السياسية، سواء في السلطة أو في المعارضة، يلقي بثقله على الرئيس الذي ما زال يردد الشعارات الانتخابية نفسها التي عرضها على المواطنين في أثناء الحملة الانتخابية، بشكل يوحي أنه ما زال بصدد محاولة إقناع الجمهور بتصوراته الذاتية لبنية نظام الحكم أكثر من حرصه على تفعيل الصلاحيات التي يمنحها له الدستور. منذ الحملة الانتخابية، كان قيس سعيد يؤكد فكرة فشل النظام الديمقراطي بصيغته التمثيلية، والحرص على فكرة أن النظام السياسي ينبغي أن ينبني على أساس التمثيلية الأوسع للجمهور، والبدء من الحكم المحلي، والتشكيك في جدوى عمل الأحزاب السياسية، وهو خطاب استمر مع قيس سعيد، حتى بعد توليه منصب الرئاسة، ففي خطابه الذي ألقاه في ذكرى الثورة يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2019 في مدينة سيدي بوزيد، أعلن الرئيس بوضوح "أن المؤسسات السياسية لا تعمل ويحملونني المسؤولية"، في إشارة إلى عمل مجلس النواب، على الرغم من أن صلاحيات الرئيس محدّدة، وتم ضبطها في إطار الفصل 77 من الدستور، والذي يفرض عليه أن يتولّى تمثيل الدولة، ويختصّ بضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية. وكرر الرئيس الشعارات نفسها المتعلقة بالديمقراطية المباشرة، وضرورة استعادة الشعب للسلطة، ففي خطابه في مدينة بنقردان (4 مارس/ آذار الجاري)، ظل حريصاً على استعادة المفردات نفسها التي استعملها في حملته الانتخابية، ورفع شعارات من قبيل "إننا في حاجة إلى فكر جديد وإلى منظومة سياسية جديدة تكون ملائمة للعصر، وليست في قطيعة معه"، بل ودعا الشباب إلى المبادرة واقتراح المشاريع، من دون أن يقدم أية تفاصيل حول الآلية التي سيتم من خلالها تفعيل إجراءاتٍ من هذا القبيل، وتحويلها إلى منجز على الأرض. ما يثير الانتباه في خطابه، أن الرئيس قيس سعيد على الرغم من مرور أكثر من مائة يوم على وصوله إلى المنصب الأعلى في الدولة، ما زال يراوح مكانه ضمن ثنائية ثوب الأستاذ الحريص على تقديم الدروس النظرية، بمناسبة أو من دونها، والمسؤول الذي لا يدرك أن موقعه ليس مجالاً لتقديم الوعود أو طرح التصورات النظرية، بقدر ما عليه الالتزام بصفة رجل الدولة على الأقل، في حدود ما يفرضه عليه الدستور الذي أقسم على احترامه. استمرار الحالة الخطابية الملازمة لظهور رئيس الجمهورية، والتي تقوم على بلاغة اللفظ وغياب المحتوى، تجعل الرجل يبدو كأنه عاجز عن إدراك الانتقال الحاصل في موقعه، فهو اليوم ليس الشخص المستقل الذي يمكنه تحريض الجمهور العام على ضرورة استلام السلطة، والسخرية من الدستور الحالي بتكرار جملة "الدستور أكله الحمار"، أو ترديد عبارة أن الدستور الحقيقي هو ما خطه الشباب على الجدران، لأن الأكيد، ومهما كانت توجهات الرئيس أو الأيديولوجيا السياسية التي يتبناها، لا ينبغي أن يحاول فرضها على الشارع، فهو اليوم في وضع تُحسب عليه فيه التصريحات والمواقف. وإذا أضفنا إلى كل هذا سوء الإدارة للملفات الخارجية الحارقة، ذات العلاقة بالوضع التونسي، الملف الليبي خصوصاً، والعلاقة مع الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً، من الصعب التكهن بمآل السياسة الرسمية التونسية خارجياً، في غياب وضوح الرؤية لدى أعلى هرم السلطة. لقد استفاد قيس سعيد في صعوده إلى منصبه من حالة رفض شعبي للمرشح المنافس له الموصوم بالفساد، ومن تذمر شبابي من المناكفات المستمرة تحت قبة البرلمان، بما جعلهم يتمنون وصول رجل دولة قوي قادر على محاربة الفساد، وجلب الاستثمارات الخارجية، والمساهمة في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والاقتصادية المتراكمة. أما أن يتحوّل موقع الرئاسة إلى طرح نقاش نظري بشأن جدوى النظام السياسي برمته، والتشكيك في جدواه في بلدٍ يمر بمرحلةٍ انتقالية لها مصاعبها الكثيرة في محيط عاصف، فهذا لن يزيد إلا في تأزيم المشهد أكثر مما يساهم في حلّ مشكلاته.