آخر الأخبار :

عن رفاعة الطهطاوي

عبد الحكيم حيدر
عبد الحكيم حيدر
2020/03/13 الساعة 02:47 صباحاً

1- تفشّى وباء الكوليرا في القاهرة، في عام 1834، فنزح رفاعة الطهطاوي إلى بلدته طهطا. وعكف فيها على ترجمة كتاب في الجغرافيا لمالت بران، ثم عاد إلى القاهرة وقدّم كتابه إلى محمد علي، فمنحه رتبة "صاغ" في الجيش.  2 - جاء عصر عباس الأول، وكان عصر اضمحلال وانكماش. اتجه خريجو مدرسة الألسن إلى ترجمة الآثار الأدبية. وقد عاشت مدرسة الألسن 15 عاما من 1835 إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 1849؛ حيث أغلقها عباس الأول الذي كان يضيق بالعلوم والفنون والآداب جميعا، بل وبكل بارقةٍ من نور يمكن أن تشعّ في العقول أو تضيء القلوب، ولم يبطش عباس الأول بمدرسة الألسن دفعة واحدة، وإنما بدأ بتشتيت أساتذتها الذين خدموا في ظل محمد علي وإبراهيم باشا، وكان في مقدمة من شتّتهم رفاعة رافع الطهطاوي بطبيعة الحال. ثم أمر عباس الأول بنقل المدرسة إلى مدرسة المبتديان في الناصرية في أكتوبر/ تشرين الأول 1849، وكانت هذه صغيرة البناء، فلم تتسع لمكتبة مدرسة الألسن، ولا لمتحفها، فنقلت المكتبة والمتحف إلى مدرسة المهندسخانة ببولاق، ثم لم يلبث عباس الأول أن ألغى مدرسة الألسن جملةً في نوفمبر/تشرين الثاني 1849. 3 – وقبل أن ينصرم العام، نقل رفاعة الطهطاوي منفيا إلى السودان، وعين ناظرا في مدرسة ابتدائية في الخرطوم، ونفي معه صديقه محمد بيومي، أستاذ الرياضة الذي لم يحتمل الصدمة، فمات في السودان. 4 – وبإبعاد الرأس تفرّق الأعضاء. كانت سخريةً أن عباس الأول الذي اقترن اسمه بإغلاق المدارس في مصر يرسل إلى الخرطوم أكبر رأس مفكر في البلاد ليعلم السودانيين. 5 – ولمّا مات عباس الأول في 1858، وخلفه سعيد باشا، عاد رفاعة الطهطاوي إلى مصر، حيث استرد بعض مكانته الضائعة، فقد عين في مختلف الوظائف الرفيعة: عين أولا مديرا للقسم الأوروبي في محافظة القاهرة، ثم وكيلا للمدرسة الحربية بالحوض المرصود، ثم مديرا للمدرسة الحربية بالقلعة، وكان يشرف على أقسام الترجمة والمحاسبة وغيرها، ورقّي إلى رتبة "المتمايز". ولكن كل هذه الأقسام، أو الإدارات التي كان يشرف عليها رفاعة الطهطاوي، ألغيت عام 1860، بما في ذلك إدارة الترجمة، فظل بلا وظيفة محدّدة حتى عهد الخديوي إسماعيل، الذي عرف كيف ينتفع من خدماته في نشر التعليم. 6 – وفي عام 1863، أعاد الخديوي إسماعيل إدارة الترجمة، وعين رفاعة الطهطاوي مديرا لها، وعينه في الوقت نفسه عضوا في لجنة المدارس التي كانت تشرف على تنظيم التعليم في مصر، فكان خير معاون لعلي باشا مبارك. وحين أنشأ علي مبارك مجلة روضة المدارس عام 1873، جعل رفاعة الطهطاوي رئيس تحريرها. 7 – وقد ظل رفاعة رئيسا لتحريرها ثلاث سنوات، حتى مات في 1873. وأخيرا وليس آخرا، في عمر المحروسة مصر، بعيون حكامها النابهين قليلا، والجهلاء في أغلب الأوقات المضحكة ضحك البكاء، يأتي من يسجن السفير محمد رفاعة الطهطاوي، حفيد الطهطاوي من سبع سنوات. واضح أن المظالم، على هذه الأسرة الكريمة، كأس يدور من 170 سنة.