العزل إذ يصبح ترفاً

نجوى بركات
نجوى بركات
2020/03/18 الساعة 03:05 صباحاً

تؤذينا فكرةُ إجبارِنا على عزلِ أنفسِنا عن الآخرين، ونتذمّر من ضرورة بقائنا داخل جدران أربعة، مع الامتناع عن استقبال الزوّار وتفادي الاختلاط مع أقرب الأقرباء إلينا. نعبّر عن إحباطِنا وخوفِنا، وكثيرا ما نسخر سخريةً سوداءَ ممّا آلت إليه أحوالُنا المزريةُ، خصوصا في لبنان، وقد استوعبنا أخيرًا أن الوقايةَ هي سبيلُنا الوحيدُ إلى الخلاص في دولةٍ لم تُثبت مرارًا فشلَها في تقديم أيّ خدمةٍ لمواطنيها فحسب، بل وأظهرت، بشكلٍ جليٍّ تمامًا، تآمرَها على أبنائها، وصولاً إلى تجريدِهم من كلِّ وسيلةٍ قادرةٍ على حمايتهم أمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وصحّيًا. أجل، الدولةُ اللبنانيةُ ليست فقط عاجزةً ومفلسةً ومحاصرةً، بل هي أخطرُ على رعاياها من أيّ فيروسٍ أو داءٍ فتّاك، هذا ما يُدركه الشعبُ اللبنانيُّ يوميًا. لذا تراه قد قرّر أخيرًا تلبيةَ النِّداء الذي أطلقته بعضُ وسائل الإعلام، من خلال تركيزها على منحِ حقّ الكلام لأطبّاء ومختصّين في مجال علاج الإصابات بالجراثيم والوقاية منها، قبل أن تتبعها الدولةُ معلنةً عن سلسلة من التدابير والإجراءات.

نجلس في بيوتنا، نوافذُنا إلى الخارج هي شاشاتُنا الصغيرة التي تكاد لا تُطفأ، وشاشاتُ هواتفنا الذكية التي تعوّضنا افتقادَنا الآخرين. هذي المرة، نحن مستهدفون جميعًا، كائنات بشرية، لا فرق بيننا سودًا وبيضًا وصُفرًا، أثرياء وفقراء، من دول متقدّمة أو متخلّفة أو نامية. قارّاتُنا الخمسُ تعاني، قارّاتنا الخمس تتساوى أمام ضراوة الفيروس وسرعة انتشاره، حكّام العالم يتساوون بأضعف الضعفاء تجاه احتمال الإصابة بالعدوى، السيّد والعبد يخافان معا، الحاكمُ والمحكوم، المستقوي والمستضعَف، القاهر والمظلوم، المرأة والرجل، الحرّ والـ.. لا، ثمّة فئة تخرج عن التصنيف، فئةٌ لا تطاولها تلك "المساواة" المستجدّة، فئة تمّت معاقبتها وإقصاؤها واستبعادها. إنهم الموقوفون والمعتقلون والمحكومون، نزلاء الزنازين والغرف الخانقة المكتظّة التي تفتقد لحدٍّ أدنى من الشروط الصحّية. أولئك الذين، في أنظمةٍ مُفلسة وقمعيّة وعسكريّة وظالمة، يقبعون في السجون من غير محاكمات، بتهمٍ ملفّقة، أو بسبب موقفٍ أو رأيٍ أو نشاطٍ معادٍ للنظام، أو عقابًا على جُنحٍ خفيفةٍ لا تستحقّ أن يتلقوا بسببها كلَّ ضنك السّجون وظلمها. وما أكثرهم. ملقيّون في أقبية وغرف لا يبلغها النور، ينامون في بقعٍ لا تتسع لأطرافهم، يخضعون للتعذيب، جسديا كان أم نفسيا، ملموسا أو معنويا. هؤلاء يصرخون بأفواهٍ كاتمةٍ للصّوت، يخبطون بأجسادهم العارية على جدران زنازينهم، يهتفون ويناشدون ويضربون رؤوسهم بالقضبان الحديد، في لبنان، في مصر، في إيران.. ماذا عنّا نحن؟ كيف نحتمي من الفيروس؟ مهما كانت جرائمُنا، أوَنستحق أن نُترك هكذا كي ننفق كجرذانٍ مأسورة في الأقفاص؟ وفي لبنان، لا بد أن نتذكّر، إضافة إلى هؤلاء، نازحي الخراب السوريّ، ورفاقهم من أبناء الحروب المجاورة، وأيضا العاملات والعمّال الأجانب الذين حاصرهم شحّ الدولار، فُصرفوا من أعمالهم وهم غير قادرين على المغادرة إلى بلدانهم. نحن نحكي عن مئات الألوف المكدّسة في خيم متجاورة، يعيث فيها الفقرُ وانعدام الشروط الصحية وعجز الدولة المفلسة على الاعتناء بتلك الأعداد، هي العاجزة أصلا عن الاعتناء بقلّة قليلة من مواطنيها. تلك فئةٌ أخرى نسيتها الجمعياتُ الإنسانية، والمنظّماتُ الأممية، والدولُ المانحة، وتُركت لشياطين العوز والفقر والتلوّث تعيث فيها هلاكًا فوق هلاك. هكذا، حين نتذكّر هؤلاء المتروكين لبؤسِ مصائرهم، لبنانيين وغرباء، المنسيّين على قارعة الحياة، المرميّين في حُفر الشّقاء، حفاةَ الأقدام، منزوعي البراثن، عراةً في العَراء، لا بدّ لنا أن نخجل من شكوانا من عُزلةٍ فُرضت علينا، عزلة مرفّهة، مترفة، لا ينتقص علينا فيها شيء، أو تقريبا، أو ربما كثيرا، مع سقف يؤوينا، ومياه شفةٍ نشربها، وغذاء وخبز ودواء متيسّر، قدر المستطاع.