آخر الأخبار :

هذه الخلافات في اتحاد الشغل التونسي

سمير حمدي
سمير حمدي
2020/04/10 الساعة 07:22 مساءً

لا أحد ينكر أهمية الاتحاد العام التونسي للشغل، وحضوره الوازن في المشهد الوطني في تونس، سواء في الجانب الاجتماعي، وهو مجاله الأساسي، أو في الساحة السياسية، وهو الذي يتقاطع نشاطه بين النقابي والسياسي منذ تأسيسه سنة 1946 على يد الشهيد فرحات حشاد. 

وبعيدا عن التوصيف التاريخي لتشكل هذه المنظمة النقابية الكبرى، ذات الحضور الجماهيري الواسع والمؤثر، فإن الجدل الداخلي بين قياداتها قد عاد أخيرا ليطفو على السطح، بفعل النقاش الواسع بشأن تعديل القانون الأساسي للمنظمة، وتحديدا الفصل العشرين المتعلق بضبط مدة العضوية في المكتب التنفيذي للمنظمة (قيادتها العليا)، حيث ينص هذا الفصل الوارد في القانون الأساسي على أن أعضاء المكتب التنفيذي يتم انتخابهم مدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. كما حدد الفصل، في نقطته الأولى، تركيبة المكتب التنفيذي الوطني بعدد 15 عضوا، وألا يتجاوز عدد المتقاعدين بينهم أربعة أعضاء، ما يعني عمليا أن تسعة أعضاء في المكتب التنفيذي الحالي سيجدون أنفسهم خارج المنظمة بقوة القانون.

واقعيا، منذ تم تعديل القانون الأساسي لاتحاد الشغل في مؤتمر جربة سنة 2002 لم تتوقف محاولات إعادة صياغة القانون نحو حذف تحديد عضوية المكتب التنفيذي بفترتين متتاليتين لا غير، فقد كانت ملابسات تعديل القانون سنة 2002 مرتبطةً بالصراع الذي أدى إلى إطاحة الأمين العام السابق، إسماعيل السحباني، من منصبه ومحاكمته لاحقا أمام القضاء بتهم الفساد. وفي ظل حالة من الضغط النقابي العام، قبلت القيادات النافذة في المنظمة أن تعدّل القانون الذي يحدد استمرارها في القيادة بفترتين، من دون أن ينفي هذا أن أمين عام المنظمة حينها، عبد السلام جراد، كان يسعى فعليا إلى تعديل هذا القانون، والاستمرار على رأس المنظمة، خصوصا أن مدة استمراره في المكتب التنفيذي كانت تنتهي فعليا سنة 2011، لولا اندلاع الثورة التونسية التي قطعت الطريق على أحلامه، وأفضت إلى صعود قيادات أخرى على رأس المنظمة في مؤتمر طبرقة سنة 2011. ربما كان اتحاد الشغل من المنظمات التونسية القليلة التي تحرص على الظهور بالمظهر  

الديمقراطي لسببين: أن هذه المنظمة تمنح فرصة الارتقاء القيادي لكل من يستطيع على الأقل ضمن توازنات معينة. ولأن المنظمة، وعلى الرغم من أنها نقابة عمالية، إلا أنها موضع اهتمام جميع القوى السياسية والدوائر الرسمية، وهو ما يعني أن ما يدور فيها من صراعات ونوعية القيادات التي تتولى إدارتها مسألة تهم الجميع، حتى الذين هم أبعد ما يكونوا عن الشأن النقابي.

لهذا أثار النقاش المتجدّد بشأن تعديل القانون الأساسي للمنظمة اهتمام الجميع، وإذا كانت القيادات الحالية للمكتب التنفيذي، خصوصا التي يفرض عليها القانون مغادرة مواقعها في المؤتمر المقبل، ولا يمنحها فرصة الترشح من جديد، وهم غالبية أعضاء المكتب التنفيذي الحالي، قد أبدت رغبتها في تعديل القانون الأساسي، حيث صرح بوعلي المباركي، وهو أحد المعنيين بالمغادرة قائلا "الفصل 20 ليس قرآنا منزّلا لا يمكن تنقيحه". وعلّق الناطق الرسمي باسم اتحاد الشغل، سامي الطاهري، على المسألة، قائلا: "النقاش حول تعديل النظام الأساسي للاتحاد ليس محرّما". ومن المبرّرات التي يقدمها هؤلاء الساعون إلى تعديل القانون الأساسي أن مغادرة هذا العدد الكبير من القيادات التاريخية للمنظمة دفعة واحدة سيؤثر على أدائها ويدخل الاضطراب على صفوفها، خصوصا وهي تُقبل على مفاوضات اجتماعية صعبة في المرحلة المقبلة، وأن الحاجة إلى استمرارية عمل القيادات الحالية تفرض تعديلا للقانون الداخلي، بما يمكّن هؤلاء من مواصلة مهامهم على رأس المنظمة النقابية الأكبر والأهم في البلاد.

في المقابل، تصرّ بعض القيادات الوسطى التي ترغب في الوصول إلى عضوية المكتب التنفيذي على الحفاظ على القانون بصيغته الحالية، لتذكّر الآخرين بأنه لولا هذه الصيغة ما كان في وسعهم الوصول إلى المواقع التي يشغلونها الآن، وأن المطلوب الحفاظ على الطبيعة الديمقراطية للمنظمة، والإبقاء على منطق التداول على المناصب العليا، وأن أي تعديل للقانون سيؤثر سلبا على صورة المنظمة أمام الرأي العام، خصوصا وأن حالة الحراك الديمقراطي في تونس لا زالت تتقدم تدريجيا، لتشمل كل القطاعات والمنظمات، والمعلوم أن الشرط الأساسي للديمقراطية هو التداول على المواقع القيادية.

قد تثير هذه الخلافات التي تجري بين شقين مؤثرين في المنظمة النقابية المخاوف من أن تكون لعنة الانشقاقات الحزبية والصراعات الشخصية التي تضرب الساحة السياسية قد انتقلت عدواها إلى المنظمة، والأكيد أن هذه الخلافات الحاصلة صلب الاتحاد العام التونسي للشغل لا ينبغي أن تعصف بوحدة المنظمة، أو أن تهدد بنيتها الداخلية وتماسكها، فوجود منظمة نقابية قوية وفاعلة ومؤثرة مكسب اجتماعي للطبقة العمالية.