آخر الأخبار :

الفعل الحي للقراءة

عبد الحكيم حيدر
عبد الحكيم حيدر
2020/05/01 الساعة 06:13 صباحاً

القراءة فعل حيّ، تساعد فيه المخيلة (مخيلة القارئ بالطبع) في الجزء الأساسي في تلامس الكتابة (أو النص) بما استطاع القارئ أن يضمّه إلى وعيه، بشعف المخيلة وفطنتها إلى خبراته السابقة (معرفية كانت أم قرائية أم حياتية)، فنص الكاتب كـ(فخ منصوب) أمام عيون طيور السماء إلى كل التأويلات والاحترازات والاختيارات، وما الكاتب سوى صيّاد غائب (إلى حين) عن المشهد، حيث كأنه يراقب من وراء الأكمة ما سوف يحدث أو يكون، كي يصل القارئ (الصيد) إلى جمالٍ ما، من صنع تضافُر صّياد وصيد محصّن هو الآخر بالتأويلات والمخاوف والرغبة في المتع، حتى وإن كانت في فخ منصوب على أسوأ تقدير. نحن أمام صراع حي (لوعيين)، وليس مجرّد تلقين بليد ما بين اثنين من البلداء أو المتباعدين، كما هو شائع في صناعة الكتب، فالصيد دائم، ومتعة الفعل دائمة، حتى وإن كان الفخ هو ذلك الورق الهادئ في وقار أو إهمال على رفوف المكتبات. هل كان الكاتب الأرجنتيني مبالغا حينما قال: "القراءة يجب أن تكون من أشكال السعادة"، وهل أكون مبالغا إن قلت: ".. وحتى من أشكال الحب"، فحينما نقرأ نطير إلى هناك، بشغفنا ووعينا، ومن المحتمل أن أرواحنا، هي الأخرى، تطير إلى هناك. لا أنسى أبدا تلك المحبة التي أخذتني، وأنا أسكن في لوكاندة قديمة، علّها تهدمت اسمها "باب الفتوح"، خلف مسجد سيدنا الحسين. كانت على وشك الانهيار من قدمها، وفيها قرأت، وأنا على أعتاب الشباب والشغف، كتاب نجيب محفوظ "حكايات حارتنا"، حتى وصلت إلى حكايةٍ فيها سيدة جليلة، علّها كانت تربّي الحمام، وتعتني بنظافة سريرها، بعدما رحل زوجها من سنوات، وكانت تراقب زحمة الشارع بنبل وحسرة أيضا على الماضي، وتنظّف سريرها كعروس، وكأنها في انتظار شيء ما. مشت هذه السيدة معي طويلا مع السنوات. القراءة أحيانا تصنعنا حتى من دون أن ندري. أنا من الذين تربّوا على الكلمات، وكانت الصور (السينما) شيئا من قبيل الرفاهية، أو المغامرة، أو سرقة ما لا نستحق سرقته، وكأننا نسرق غيرنا بخشونة المحرومين. كانت الكلمات لنا، وما زالت، نحن أولاد حكايات وصيد. كنت كثيرا ما أتابع صّياد يمام، ينصب شباكه على مقربةٍ من غيطان العنب، ويداري نفسه بشالٍ تحت شجيرات العنب، واليمام مرة يحط، ومرة يناور الشباك، والصياد هناك في العنب لابد كعاشق ينتظر الفرصة، واليمام عذب وطري وماكر ككتاب جميل يعرف الطريق إلى قلبك، حتى قبل أن تمد له يدك. كان التعب أحيانا يأخذ الصيّاد إلى الزهق بعد طول انتظار، فيخرج من العنب حينما يمرّ "قطار القصب" على السكة الحديد، ويفسد الهدوء، فيشعل هو سيجارة منتظرا عودة اليمام. الكاتب هو ذلك الصيّاد، والأوراق تشبه، إلى حد كبير، جريد شبكة الصيّاد، والأحلام والحب في الكتاب، تشبه أيضا تلك الحبّات من القمح أو الشامي التي زيّن بها الصياد شباكه، كي يقود اليمام بحكمة إلى القنص. كنت أرى الصيّاد أحيانا على الكوبري بعد الغروب، وقد جلس في القفص، بعدما شكل اليمام في الخيط منتظرا الشاري، كبائع الكتب، كالمؤلف حينما يأخذ نفسه، ويذهب إلى مدينة بعيدة كي يكتب روايته أو كتابه. كنت أتابع الصيّاد، وهو ينتظر الشاري، أو وهو يفاصل في الثمن، واليمام وهو ينتقل من يد إلى يد، والفلوس وهي تُعد ما بين يدي الشاري والبائع، حتى تنتهي الصفقة بالمحبة أو الابتسام أو حتى الضحك، وهل الكتابة سوى فيض محبة. إذن، كما قال بورخيس: "فليفخر الآخرون بالصفحات التي كتبوا، أما أنا فأفخر بتلك التي قرأت".