من يومياتي مع الفيروس

رشا عمران
رشا عمران
2020/05/10 الساعة 05:40 صباحاً

حينما بدأ فيروس كورونا في التمدّد والانتشار في العالم، كنت في أوروبا في زيارة تنقلت فيها بين فرنسا وألمانيا وسويسرا، قبل أن أعود إلى القاهرة بعد أن قدّمت موعد رحلتي، حين بدأت الدول تغلق حدودها وتوقف حركة الطيران. وعلى الرغم من أن عدد الإصابات وقتها كان يزداد يوميا، إلا أنني لم أشعر بخوفٍ يعطّل حياتي، كنت أقابل أصدقائي، نلتقي في أماكن مزدحمة، وكنت أستقلّ المواصلات العامة، وأمشي في الشوارع، أذهب إلى المطاعم والمتاجر من دون أن أستخدم أي وسيلة حمايةٍ من التي تتحدّث عنها منظمة الصحة العالمية، إذ إن الأقنعة الطبية والكحول الطبي فُقدت فجأة من صيدليات برلين ومتاجرها المختصة. قيل وقتها إن اللاجئين هم أكثر من اشترى تلك الأشياء وخزّنها لديه، ليستخدموها لاحقا. اللاجئون هنا ليسوا فقط السوريين والعرب بطبيعة الحال، بل كل من قصد ألمانيا هربا من حرب أو مجاعة أو فقر أو اضطهاد في بلده، ولكم أن تقدّروا سيكولوجية اللاجئ هذا في أثناء الكوارث، وغريزة البقاء التي تجعله حذرا تجاه أيٍّ من بوادر الخوف من فقد الأمان. وفي كل حال، الألمان الذين عانوا طويلا من سنوات الحرب العالمية الثانية، والحصار والدمار، فيهم الصفات نفسها، وهو ما جعل موادّ كثيرة تُفقد من الأسواق في بداية انتشار الفيروس.  بيد أن مظاهر الحياة في برلين لم تكن قد تغيرت. قبل قرارات إغلاق الأماكن العامة، كانت المتاجر ممتلئة، والمطاعم ممتلئة، والحدائق والمقاهي والبارات. كان الجميع يتحدث عن خطر الفيروس، والجميع أيضا يمارس حياته الطبيعية في الحركة والتنقل واللقاءات والاجتماعات والمناسبات، وكأن هناك تواطؤا مع الحياة ضد فيروس لا يُرى، كنت جزءا من هذه اللامبالاة الجمعية، حذرة لكنني لست خائفةً. في هذا الوقت، كانت وسائل الإعلام كلها تتحدّث عن الفيروس بوصفه عدوا قادما للفتك بالبشرية، وعلى الجميع الاستنفار لمواجهته في معركةٍ قد تكون أطول مما نتخيّل. ثمّة إذاً تصريحات عن حربٍ ما، وثمّة حالة تعبئة دولية للمواجهة: إغلاق كل أشكال الحياة اليومية، إغلاق الحدود، إيقاف الطيران حول العالم، منع التجول، باختصار تعطيل كامل للحياة، وضع البشر جميعا في متاهة الخوف التي كانوا، إلى وقت قريب جدا، يحاولون تجنبها، بيد أن عدوى الخوف انتشرت بين الجميع قبل انتشار الفيروس نفسه، وتنقلت من الأفراد إلى المجاميع إلى الشعوب، صار الخوف دائرةً مغلقةً تلف العالم و"توحّده" على رأي نيتشه (الخوف يوحّد العالم). بعد عودتي إلى القاهرة، ثم التزامي العزل الصحي، ومتابعة ما يحدث في العالم، بدأ الخوف عندي يأخذ منحى تصاعديا. عانيت فعلا من نوبات هلع لم أعرفها في حياتي. كنت أشعر بأن الفيروس موجّه لي أنا فقط، وأن أي فعلٍ أقوم به هو استدعاء للخطر. حاولت جاهدةً التخلص من هذا الهلع الغريب على شخصيتي أصلا، لكن الأمر كان يزداد سوءا، صرت متوجسةً حتى من الحاجيات التي أطلبها على الهاتف. أتجنب لقاء أي أحد، صار الآخرون لي هم "الجحيم" فعلا كما يقول سارتر. أصبت بعدوى الحذر من البشر، وكأن كل أحد عدوٌّ مفترض يحمل الخطر لي، حتى أقرب أصدقائي. كنت أعيش في دائرةٍ من الشك والخوف مرعبة، لم أستطع معها فعل أي شيء في حياتي، وكأنني أعيش على هامش الأشياء والحياة، أكثّف تركيزي في شيء واحد، النجاة. الحياة في القاهرة لم تتوقف في النهار، وأنا أقيم في منطقةٍ مزدحمة وضاجّة. هذا بحد ذاته كاد يصيبني بالفصام، الحياة أمامي تسير على قدميها بسرعة وصخب، وأنا في بيتي الذي لا يدخله أحد، وخائفة إلى هذا الحد. لم يطل الأمر كثيرا، شفاني الصخب حول بيتي من الخوف، غير أن حالتي أخذت بعدا آخر، عزلة الخوف من الفيروس جعلتني أكثر ميلا إلى الوحدة، الوحدة بمعناها المادي، لا النفسي فقط، لم أعد أهتم كثيرا بالخروج من المنزل، لم أعد أتشوّق لذلك، لا رغبة لي برؤية الأصدقاء، لا خوفا من العدوى، وإنما حبا بالبقاء وحدي في منزلي. أمارس الروتين اليومي الذي فرضه العزل الصحي على حياتي. أنا التي لا عادات يومية لي، صار الروتين طقسا أستمتع به وأخشى تغييره، أشعر بثقلٍ غريبٍ كلما قرّرت الخروج من المنزل لأي سبب، وكثيرا ما أتراجع عن فكرة الخروج، مكتفيةً بمراقبة الحياة من شرفتي الصغيرة، وأنا أفكر بما ستكون عليه حالي، بعد أن تنتهي القيود المفروضة على حركة البشر، وتعود الحياة إلى سابق عهدها!