ضحية القمع والحبّ

باسل طلوزي
باسل طلوزي
2020/05/18 الساعة 03:10 صباحاً

هامش لا صلة له بروايتنا المسرودة لاحقًا: "مقتل أربعة مواطنين كينيّين خرقوا حظر التجول المفروض في الدولة بسبب كورونا، برصاص رجال الأمن المنتشرين في الشوارع لمتابعة الالتزام بشروط الحظر"... انتهى الخبر، وتاليًا الرواية:  تمطّى صاحبنا بغنجٍ على سريره الذي شعر أنه وثير ودافئ للمرّة الأولى في حياته. كان مسكونًا بخفةٍ غريبةٍ تحلّق به إلى سقف الغرفة، على الرغم من أنه يعيش اليوم الأول من حظر التجول، الذي فرضته سلطات بلاده أمس، في إطار إجراءاتٍ طويلةٍ ومعقدةٍ لمكافحة الوباء المتفشي في أصقاع العالم. انتابه إحساس بقرة هولندية مدللة، وهو يزيح الغطاء عن جسده المنبسط بقوة على الفراش، فهي سابقة لم يعشها من قبل: أن تجيء هذه الإجراءات التي أرّقت السلطة، تخطيطًا وإعدادًا وتنفيذًا، من باب الحرص على صحّته وحياته هو، بوصفه مواطنًا فقط. لم يصدّق أذنيه بادئ الأمر: "أيعقل أن يفرض قانون طوارئ كامل الرهبة لوقاية الشعب المحظوظ من وباء؟ أيصدّق أن منعه من الخروج إلى الشوارع، هذه المرّة، ليس بسبب تظاهرة يزمع المشاركة فيها، أو رأي معارض يجاهر به، أو نتيجة قلق الرئيس على صولجانه، بل لأن السلطة التي تفنّنت في إرعابه وإرهابه قلبت حساباتها، وأصبحت أشدّ حرصًا على حياته من نفسه؟". طرد سوء الظن سريعًا من خواطره؛ إذ من الواضح أن الإجابة هنا لا تحتمل التأويل، ومفادها: نعم من أجله هو.. يا لسعادته. تعاظم منسوب الدلال في عروقه، وشعر كأنه طفل تحاول "أمه" منعه من الخروج إلى الشارع كي لا تسحقه عربة مسرعة، فزاد اعتزازه بنفسه، هو الذي فقد، حتى وقت قريب، أي احترام لنفسه بوصفه مواطنًا من دول العالم الثالث، ولا يدري كيف قرّر المجازفة بالخروج هذه المرّة، على خلاف ما كان عليه من تردّد في أزمنة حظر سابقة، كان ثمن خرقها حياته بأكملها. تخيّل أن أقصى ما يمكن أن يحدث له حين يراه الشرطي المخوّل بتطبيق الحظر أن يسرع إليه بقلق أبٍ يرى ابنه على حافّة هاوية، فيمسكه في اللحظة الأخيرة ويحدب عليه ويضمّه برفق، ويطلب منه بحنان أن يعود إلى البيت. في المقابل، كان ثمّة شرطيّ تلقّى أمرًا واضحًا: "تطبيق حظر التجول بدقة وصرامة، لحماية أفراد الشعب من خطر الوباء القاتل". أغلب الظن أن الشرطيّ إياه تلقّى أوامر تطبيق حظر التجول على الشعب، ولم يستمع إلى بقية الأمر المتعلق بـ"الحماية" أو غيرها، فهو مبرمجٌ على التطبيق والتنفيذ فقط، ولا علاقة له بالمبرّرات والمسوّغات، فهي كلماتٌ لا يضمّها قاموسه الأمني الذي تربّى وتدرّب عليه. بالنسبة له يعني حظر التجول أن ثمّة مهدّدات أمنية تلوح في الأفق، ثمّة "مشاغبين"، و"إرهابيين"، و"غوغاء"، و"دهماء" يرمون إلى العبث باستقرار البلد وإقلاق قيادته، وهذه كبائر ومحرّمات لا يجوز التهاون فيها البتة، ولا علاج لها غير الرصاص. كانت لحظة التقاطع محتومةً بين الاثنين: من يخرق الحظر ومن يطبقه، فصاحبنا الذي خرج بكامل دلاله إلى الشارع لم يحاول أن يتوارى عن رجل الشرطة المدجّج بسلاحه، وبذكرياته الدمويّة عن جوهر حظر التجول، بل تعمّد صاحبنا أن يتقافز كطفلٍ مشاغبٍ أمام الشرطيّ، مراهنًا على حرارة اللقاء ودفئه، ومتوقّعًا أن يستمع إلى تقريعٍ أبويّ خفيف الوطأة، ومن ثم انفضاض متوّج بابتسامات رقيقة متبادلة بين الابن المدلل وأبيه، غير أن الرصاصة أخرست كل شيء، وكانت أسرع من المراهنات والظنون جميعها. في المحصلة، لم يتغير شيء على صاحبنا المضرّج بدمائه، فالحظر المفروض من أجله يماثل ويطابق الحظر المفروض خشية منه. وفي الحالين، لا بدّ أن ينزف الدم، وتسقط الضحية. لم يتغيّر شيء سوى علامة الاستفهام التي علت وجه الضحية: هل كان كورونا سوطًا إضافيًّا بيد الجلاد؟ إذن، ما أتعس حظوظ شعوب العالم الثالث، حين يحاول حكامها محاكاة تجارب العالم الديمقراطي، قبل أن يغيّروا منظومة الاستبداد المستوطنة في مفاصل دولهم، من الطاغية حتى الشرطي.