محمد مرسي .. ضحية قهرنا الأزلي

عبد الحكيم حيدر
عبد الحكيم حيدر
2020/06/04 الساعة 08:20 مساءً

كيف لمقهورٍ مثلنا يصير ما بين عشية وضحاها رئيسا لنا؟ كيف لواحدٍ منا نعرف اسم أمه التي طالما جلست على الأعتاب مثل أمهاتنا، تحكي عن الغيطان والزرع والكلاب العضّاضة والأرانب التي ماتت من البرد، ومرض البلهارسيا الذي دخل بيوت عائلته مرارا، وأخته التي ماتت بالكبد في مستشفى حكومي؟  كيف لواحدٍ منا باع والدُه بقرته كي يسافر ابنه المتفوق إلى أميركا ويحصل على الدكتوراه، ثم يريد أن يكون رئيسا؟ علاوة على أن مطبخ والده لم يكن فيه الزعفران ولا البهارات غالية الثمن، ولا يوجد في صالة بيتهم صورة زيتية لجدّه الأميرالاي، وبجوار الصورة مسدس حقيقي ما زال محشوًّا بالطلقات هدية من سلاح الفرسان. كيف لفلاحٍ شرب المياه العكرة من قنوات الفلاحين العاجّة بالبساريا والدعبس والضفادع، أن تؤدّى له التحية العسكرية في التلفزيونات أمام العالم، وترى ذلك زوجاتنا المصونات، وهن يتبضعن من شرم الشيخ أو الساحل الشمالي، ومعهن الكلاب الأجنبية والخادمات الأجنبيات؟ كيف لابن فلاح عاش يشرب "المش أبو دوده" من الطبق، حتى مات بجوار أرجل بقراته، نتركه يحكم دولتنا وعلى أكتافنا النجوم والنسور والسيوف، وفي مخازننا الطائرات والدبابات والمدافع بشمعها الأحمر؟ كيف وأم كلثوم غنّت لنا، وأممناها لنا، وجعلنا محمد عبد الوهاب لواءً يلحن لنا، والشعراء يكتبون القصائد لنا، والأفلام تصور بأوامرنا، ونعالج منهم المخلصين والأنقياء من الشعب في مستشفيات قواتنا المسلحة، ونرسل "حقائب رمضان" من رأس مال قواتنا المسلحة للفقراء، ثم يأتي فلاح من قرية بعيدة عن العاصمة، لا هي مصر الجديدة ولا المعادي، يصلّي ركعتي الفجر في مكان عمله، ثم يذهب إلى شقته الإيجار في التجمع الخامس، بعدما يأكل خمس بطّات وحده، أيريد أن يكون موظفا مطيعا مثل بقية الرؤساء في سويسرا والنرويج مثلا؟ يا عارك يا مصر، على فلاح صار رئيسا لبلد فيه 33 قصرا رئاسيا، ويبني المزيد أيضا على الرغم من أنوف الفلاحين والعمال وقوى الشعب العامل. كيف لفلاحٍ لم تسافر أمه إلى نابولي كي تحضر غرف نوم بناتها مع الخدم والحشم على متن المحروسة، وفي عودتها تحمل كل ما لذ وطاب من كل أنواع المعكرونة والحرير والعطور علاوة على بنسات الذهب والألماس. كيف لطالبٍ كان ينام معنا في غرف المدينة الجامعية، ببيجامة كستور، ويأتي معه من بلدته بالجبن القريش والبيض، ولم يذهب ولو مرة واحدة إلى "زيزينيا" مثلا، ولم تلتقط له أي صور وهو مع خالاته "الحكيمات" في مستشفيات لندن، وهن يتسوقن في الستينيات من المحلات في إجازاته الصيفية. هكذا مرة واحدة، يكون رئيسا في عشية وضحاها، وتطلق له المدافع الطلقات، ونحن في صمت وهيبة. كيف لفلاح لم نره ولو مرة واحدة في نادي الصيد، وهو يسلم على فاتن حمامة أو مريم فخر الدين، أو وهو يشرب فنجان القهوة تحت شجرة في النادي مع ماجدة الخطيب، ولم يتبرّع لروتاري القاهرة بفدانين من أراضي جده الخصبة الواسعة، ولم يكن يعزف على أي آلةٍ موسيقية، ولا اشترى لوحة تشكيلية من فنان. كيف لفلاح هكذا يذبح الأضحية بيده، ولا يأكلها في شكل همبورغر كما تفعل فاطمة ناعوت، ولا يعرف قصيدة النثر، على الرغم من أنه عاش سنوات في أميركا، وحصل على الدكتوراه من دون أن يرتاد مسارحها في نيويورك مثلا. كيف يستوي لفلاحٍ لا يحب السجّاد الأحمر، ولا الرافال، ولا جمبري التفريعة، ولكنه يهوى حقول القمح والنجيل والبرسيم الحجازي لبقرات الفلاحين، كي يسد ثغرة الغذاء والعلاج، وكيف لفلاح لم يرَ الشمس وهي تحط أول ذهبها على متحف باريس ولندن، أن يحكم شعبا بنى الهرم والمسلات منذ آلاف السنين، فهل آن للجمل أن يدخل مرتاحا من "سَمِّ الخياط" في بلاد العرب؟