حمامة سلام تتغذّى على الدم

وائل قنديل
وائل قنديل
2020/06/09 الساعة 03:30 صباحاً

من قبيل البديهيات، أي انكسار وانحسار لمشروع الجنرال المستعمل خليفة حفتر، هو مكسب لليبيا، دولةً وشعبًا، كما أنه انتصار كذلك لمفاهيم أخلاقية وقيم إنسانية ووطنية، حتى وإن وقعت هزيمة هذا المشروع على يد، أو بمساعدة قوة من خارج ليبيا. من المهم كذلك إعادة التذكير بأن مشروع "الحفترة" في ليبيا هو أحد تجليات مشروع إقليمي ودولي يعادي أحلام الشعوب العربية في التغيير، وبالتالي فإن انكسار هذا المشروع التخريبي في ليبيا يمنح أملًا للشعوب في دولٍ عربيةٍ أخرى في إمكانية الانعتاق من استبداد حفاترة آخرين، أكبر وأشرس. كل هذا معلوم من مسيرة الثورات العربية بالضرورة، غير أنه، إذا دقّقنا النظر من الزاوية الأخرى، فإنه من ألوان خداع الذات أن يقال إن الثورة هي التي تحقق الانتصار تلو الآخر في المدن الليبية، بل الصحيح هو أن مشروعًا إقليميًا، لديه فائض قوة، ويعلن عن وشائج أقوى مع تيار الربيع العربي، ويتبنّى فصائل الثورة الليبية، ممثلًا في تركيا، استطاع أن يُلحق خسائر ضخمة بالمشروع الإقليمي الآخر الذي يبعثر فوائض الثروة في الاستثمار في دعم الانقلابات والثورات المضادة وتمويلها وتسليحها، وهو المشروع الذي يتحرّك على ساقين، إحداهما إماراتية والأخرى مصرية، ويستثمر في انقلاب خليفة حفتر.. وعلى هامش المشروعين، ثمّة حصة من مكاسب النصر لفصائل الثورة الليبية، وحصص أكبر من الخسائر لمليشيا الثورة المضادة، بمعنى أن النزال بين كتلتين إقليميتين في المقام الأول، وليس محصورًا بين طرفيه الليبيين. في قلب هذا الغبار الكثيف، تتدحرج مقولاتٌ ضخمة، فارغة من أي مضمون، عن انتصار الإسلام والربيع، على أعدائهما، في استدعاءٍ ممجوجٍ لمحفوظاتٍ تاريخيةٍ يتم طهوها ومضغها وتناولها على موائد الوطنية الزاعقة والأممية الصاخبة، ليستل المحاربون الخارجون من كتب التاريخ سيوفهم، ويدهسون بسنابك الخيل المسومة مفهوم الوطن نفسه، في معمعةٍ مثيرةٍ، لا يُراد لها أن تتوقف إلا بإجهاز القوميبن على الإسلاميين، أو العكس، والطريف أن كليهما يزعم أنه الوصي على الأمة والحامي لمجدها الغابر والقادم. بعيدًا عن هذا الصخب الفضائي المحتدم، تتمدّد خريطة ليبيا على موائد التفاهمات السياسية بين الفاعلين الحقيقيين في المشهد، بما يشي بأنه ثمّة توافقا ضمنيا على أن لا انتصارًا مكتملًا، ولا هزيمة ساحقة، بل هي منزلة بين المنزلتين، وأظن أن الثقة التي كان يتحدث بها عبدالفتاح السيسي، بوصفها كبير الحفاترة، عن وقف أعمال القتال في الساعة 600 يوم 8 يونيو 2020 ليست شطحة خيال مشوّش، ولن يكون مباغتًا لو كشفت الأيام عن قنوات سرية بين المتصارعين. في ذلك يتحدث عبد الفتاح السيسي عن ليبيا، باعتبارها من محدّدات الأمن القومي المصري، وهذا صحيحٌ من جهة الجوار الجغرافي وعلاقات الأخوة العربية التاريخية. وبهذا المعيار، يمكن للرئيس الجزائري أن يقول العبارة ذاتها، وكذلك الرئيس التونسي، حيث الجوار والأخوة عن طريق البر، كما يتكلم الرئيس التركي أيضًا عن ليبيا بوصفها من محدّدات أمن بلاده، بالنظر إلى الجوار والأخوة عن طريق البحر. حسنًا، متى يتحدّثون عن محددات الأمن القومي الليبي.. وأين ليبيا من كل ما يجري من صراعاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ على الأرض الليبية؟ من يتحدّث عن أمن ليبيا باعتباره هدفًا بذاته، وليس ملحقًا بالأمن القومي والموقف الاستراتيجي لهذا الطرف أو ذاك؟ على أن ثمّة مفارقات مدهشة في قدرة عبد الفتاح السيسي على تقمص دور "حمامة السلام" والإعلان عما تسمّى مبادرة، وجدت من يستمع لها في دوائر الغرب، المشغول تمامًا بالغاز الليبي، غير المنشغل كثيرًا بالدم الليبي، من دون أن يتوقف أحدٌ عند أسئلةٍ منطقيةٍ وبسيطة في آن.. كيف لمن فشل في أن يكون حاكما لكل المصريبن، حتى لو كان مغتصبًا للسلطة، أن يرى في نفسه صديقًا لكل الليبيين أو وسيطًا نزيهًا بين الأطراف المتصارعة في ليبيا؟ وبأي وجهٍ يمكن أن تقابل أطراف الصراع نظرات الشعوب الحالمة بالعدل، إذا أسفر كل هذا الضجيج عن بقاء الجنرال المستعمل، خليفة حفتر، رقمًا ضمن معادلات المستقبل الليبي، بينما كل قواعد المنطق ومقتضيات العدل والحق تؤكد أن مثل خليفة حفتر ليس مكانه مائدة مفاوضات، وإنما قفص محاكمة علنية، أو في أفضل الأحوال مقعد على طائرة تقلع فجرًا من القاهرة إلى أبو ظبي؟