جسد المرأة و الجنس كموضوع حسي شارح للروح وباعث للشفاء

محمد دبوان المياحي
محمد دبوان المياحي
2020/06/27 الساعة 12:49 صباحاً

أعلم أن الكتابات الحسيّة عن جسد المرأة، تعتبر أحيانًا، أقل قيمة فنية بالمعيار الأدبي، كونها كتابات تلعب على حس الإثارة الكامن في الموضوع، بأكثر مما تستند على عبقرية المعنى وقوته الذاتية المحرضة للخيال، وهي بهذا تخفض مزاج القراء الأدبي وتسهم في سلق الذائقة وإعاقة تفتق الخيال لديها..كما يقول أصحاب هذا المذهب.

إلا أن المشكلة الجوهرية_بإعتقادي_ لا تتعلق بالجسد ذاته، ولا بالتعابير الحسية نفسها، أي أن تناول الجسد وتحويله لصياغة فنية ليس بحد ذاته مشكلة أدبية ولا يمكن تجريد هذا النوع من الكتابات من الصفة الأدبية، فالأهم هو في نوعية هذه الكتابات ومستواها الفني، فإذا ما تمكن الكاتب والأديب من صياغة تعابير حسية رفعية وحاملة للمعنى، هنا يتقلد الصفة ولا يصح وصفه بالإبتذال لمجرد اقترابه من تفاصيل جسد المرأة واستخدام الطاقة التعبيرية الكامنة فيه.

الإبتذال الأدبي إذًا، يتعلق بطريقة الكتابة نفسها، وليس بالموضوع المكتوب عنه، فقد يكتب شخصًا عن الوطن بلغة مبتذلة وفاقدة لأي معنى حقيقي أو لغة مبتكرة وحاملة لفكرة، وقد يكتب أخر موضوعًا عن أدق تفاصيل المرأة وتلمس شرارة فكرة كامنة في الصياغة، لغة كاشفة للذات وتوتراتها، في هذه الحالة تكون الكتابة عن الوطن مبتذلة بالمعيار الفني، وتكون الكتابة عن جسد المرأة، لغة تحمل طابع أدبي جدير بالإحترام.

لدينا مشكلة نفسية معقدة، في نظرة العربي لجسد المرأة، يراه شئيًا فاضحًا، ولهذا يتوجب بقاءه محجوبًا، ويتعامل معه دائمًا كقنبلة مفخخة، العربي شخص مخنوق ويكاد ينفجر من طول خناقه، يفتقد للصبر، ويعجز عن التعامل مع جسد المرأة؛ كموضوع فني شارح للروح وباعث للشفاء. وبالنسبة للمذهب الأدبي الرافض لتناول الجسد فهم يرونه موضوعًا ماديًّا بحتًا وخاليًّا من الروح، ومن هنا ينبع رفضهم لهذا اللون من الكتابات. بإسهاب أوسع، نحن الذين تربينا في بئية كثيفة الحجب، لا نستطيع أن نقرأ ما يتعلق بجسد المرأة، كمواضيع تشحن الذائقة بمخزون أدبي يساعدها على رفع مستوى حساسيتها تجاه هذا الجسد السام وما ينطوي عليه من جماليات.لا نستطيع تحويل أو قراءة كل الخيالات التي تراودنا يتخيل، إلى موضوع متعلق بالفن تعزز قدسية الجسد وتزيل هذا التوتر بيينا وبينه. سرعان ما تخنقنا الغريزة البحتة، ونفقد أي قدرة على تذوق نص أو ترك خيالنا يتجاوب معه، كنوع من تدريب الخيال على التمهل في تذوق الجمال. 

الخلاصة: علينا أن نعيد لجسد المرأة قدسيته، وقداسته لا تكمن في الحجب، ولا التعامل معه كعيب وفضيحة، بل بإزالة الحجب المضروبة حوله، وتحويله لقيمة جمالية وفنية تسهم في تطبيع العلاقة بين الجنسين وإشاعة ثقافة مجتمعية تُجل هذه الثيمة/الجسد وتعاملها بإجلال وسمو..عندها يمكننا تخفيف الكبت ومخلفاته السئية فيما يتعلق بنظرة الرجل للمرأة.

مرة أخرى: الكتابات الحسية أو الجنسية ليست بحد ذاتها مشكلة، بل على العكس، أراها تؤدي وظيفة تنويرية مهمة، طالما اجتهدت لتحافظ على صياغة ذكية للموضوع. 

وبالمناسبة، هناك فكرة علمية يكاد يتفق عليها الجميع، وهو أن الجنس وكل ما يتصل به، يعتبر أحد أهم المداخل النفسية المركزية لتشريح سلوك الكائن، ومن غير المنطق قمع هذه النافذة؛ لأسباب تتعلق بالعقد المجتمعية.

كل ما نحتاجه إذا لتجاوز مشكلتنا الدائمة مع هذا الموضوع، هو رفع مستوى وعينا بهذا المجال، وبما يجعلنا نتجاوز اللغة المباشراتية الفارغة، ونتوغل لفهم موضوع الجنس بكل ارتباطاته النفسية والسلوكية الثرية، عندها سنتمكن من تناوله أدبيًّا بشكل يشرح سلوك الإنسان ويعالج إختلالاته، فإذا كان الجنس نافذة تفسيرية مهمة لفهم دوافع البشر، فالأدب هو أهم أداة لشرح تلك الدلالات والتقاطها وبما يفكك الكبت المجتمعي ويجعلنا أكثر قدرة على التحكم بسلوكياتنا حالما كنا أكثر وعيّا بها.