آخر الأخبار :

سورية... العودة إلى الحل الطائفي الفيدرالي

عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون
2020/07/01 الساعة 07:42 مساءً

أصبحت سورية عالقةً وسط أزمة لا أفق للحل فيها، وصارت المنظومة الأسدية أشبه بجثةٍ ثقيلةٍ ترقد على أجسادٍ أنهكتها الحروب والاستبداد والجوع، تمنع عنهم الهواء والغذاء، ولا قدرة لهم على إزاحتها، ولا من يتبرّع بنزعها، حتى بات الضحايا، وهم جميع السوريين، ينتظرون الأقدار كي تأتي لهم بنهارٍ، وقد أزيحت هذه الجثة، ليبدأوا حياة جديدة، يعالجون آلامهم التي خلفتها سنوات الحرب الدامية ضدهم.

كل شيء في سورية ميت أو في حال موات. أراد نظام الأسد وحلفاؤه قتل ثورة السوريين، فقتلوا البلد بأكمله، ولم ينقذوا حتى أنفسهم من هذه المجزرة. أما قدرة منظومة الأسد على القتل فهي ليست مؤشرا على حيويته، وليست مقياسا لفعاليته، فالجثث تقتل بروائحها والبكتيريا التي تنشرها.

وباتت جميع القرارات والمبادرات الدولية للحل لا قيمة لها، وذلك لاستحالة ترجمتها على أرض الواقع، لوجود طرفٍ يعتقد أنه انتصر في الحرب، وأصبح غير ملزم بقراراتٍ لا تراعي توازن القوى الحالي، ولا الوقائع الميدانية التي أنشأها تحالف الأسد إيران روسيا. ولم تفلح تكتيكات روسيا وبهلوانياتها الدبلوماسية بجعل العالم يعترف بهذا الانتصار الكارثي، ولم تستطع أيضاً تحريك أحجار منظومة الأسد، لإدراكها أن ذلك سيؤدي إلى انهيار بنيان المنظومة بأكملها، ويُنذر هذا بتعطّل أهداف مشروع روسيا الجيوسياسي، بل وتحويل الفرصة السورية إلى حزمة مخاطر لا قدرة لها على تحمّل تداعياتها في ظل توعك اقتصادها وانقسام مجتمعها. وللخروج من هذا المأزق، يبدو أن روسيا تحاول اللجوء إلى مقارباتٍ جديدة، لحل الأزمة السورية، عبر عقد مؤتمر تحت مسمى "مؤتمر الوحدة الوطني"، يتشكّل من جميع "المكونات" السورية، الطوائف والأعراق والمناطق والجهات، ويسعى إلى تشكيل سورية "الجديدة" على أساس فيدرالي، على اعتبار أن هذا أفضل مخرج، ويتناسب مع تفضيلات المكونات السورية التي لم تعد ترغب بالخضوع لسلطةٍ مركزيةٍ تحتكرها فئة معينة. وبناءً على ذلك، تُجري روسيا مفاوضاتٍ مع شخصيات من مختلف المكونات السورية، عرف منهم، رئيس الائتلاف السوري المعارض السابق، معاذ الخطيب، وشخصيات من الطائفة العلوية في المهجر.

هل الظروف في سورية ناضجة لمثل هذا الطرح؟ معلوم أن النخب السورية، وحتى نظام الأسد، رفضوا، كل لأسبابه، سابقا، أي طرح للحل على أسس طائفية أو فيدرالية، كما صدرت قراءاتٌ كثيرة تؤكد استحالة تقسيم سورية على أساس طائفي، وصعوبة تطبيق الشكل الفيدرالي في سورية. وقد ارتكزت هذه القراءات على معطى جغرافي، يقوم على وجود تداخل هائل بين المكونات يستحيل، على أساسه، رسم حدود جغرافية لكل مكون، وعلى رهان أن الشعب السوري سيقاوم هذه الطروحات التي من شأنها التأثير على وحدة سورية ومستقبلها. وبالنسبة للثوار، كان الأمر يعني طعناً بثورتهم التي سيسجل التاريخ أنها أسهمت في تمزيق سورية. أما النظام فقد رأى في هذه الطروحات محاولةً لزعزعة سلطته السياسية والأمنية، والحد من صلاحياته. بيد أنه من الواضح أن سنوات التدخل الخارجي أفرزت وقائع مختلفة، ورسمت حدوداً جديدة بين المكونات السورية. صحيح أن التداخل، وفي مناطق كثيرة، ما زال موجوداً، ولكن سنوات الصراع أوجدت ما يسمى المكون الغالب الذي يحتكر السيطرة السياسية والأمنية في الحيز الذي يفرض هيمنته عليه، وليس أمام شركائه المكانيين سوى الخضوع لهذه السيطرة أو الخروج من المكان نهائياً. أما لجهة إمكانية مقاومة السوريين التقسيمات المناطقية والطائفية، فهذه المقولة تحتاج إلى فحص جديد، بعد المتغيرات الهائلة التي حصلت في نفوس السوريين وتفكيرهم.

ويبدو أن العامل الدولي مشجع، بل هو فاعلٌ مهم في هذا الاتجاه، من خلال تهيئته الظروف المناسبة لهذا الطرح، وخصوصا على صعيد الانحياز لمكونٍ بعينه، وتثبيته في مناطقه الجغرافية. والمقصود هنا الأميركيون والروس والأتراك والإيرانيون. كما أن تفضيلاتهم تتناسب مع هذا التوجه أيضاً، الذي يضمن لهم استمرار نفوذهم في سورية، بأثمان رخيصة، عبر وكلائهم المحليين، ومن دون الخوف من الغرق في حروب الأطراف الأخرى ومقاوماتها، بالإضافة إلى تحويل وجودهم أصلاً إلى وجود شرعي. وهكذا، وفي إطار هذا الطرح، تضمن روسيا السيطرة على الساحل السوري، بالإضافة إلى حمص وحماة ودمشق، حيث توجد بيئة مؤيدة لها، تتشكّل من غالبية علوية وجزء كبير من مسيحيي سورية وسنّة المدن، وتضمن تركيا السيطرة على أجزاء كبيرة من مناطق الشمال، حيث سنة الثورة وغالبية تركمان سورية الذين شرّدهم نظام الأسد من مناطقهم، ووطّنتهم تركيا على الشريط الحدودي لأسبابٍ قومية. في حين تضمن أميركا البقاء في الشرق السوري، حيث حلفاؤها الأكراد، بالإضافة إلى الأرمن والآشوريين. أما إيران فسيكون لها نصيب في حلب ودمشق ودرعا، حيث تتركز غالبية استثماراتها وأصولها المليشياوية والعسكرية.

وستتعامل الأطراف على أساس أن هذا الحل مؤقت، وأنه مخرج من المأزق الذي وصلت إليه سورية، وخصوصا بعد دخول "قانون قيصر" حيز التنفيذ، وهو الذي أحال جميع الخطط الروسية إلى التقاعد المبكر. ولكن واقع الخبرة في الأزمة السورية يثبت أن المؤقت سرعان ما يتحوّل دائما، وأن الحل على أسس طائفية وفيدرالية مقدمة لتقسيم سورية نهائياً، أو هو إقرار من اللاعبين الإقليميين والدوليين بعدم وجود حل آخر للأزمة.