آخر الأخبار :

هل انتهى إلياس الفخفاخ سياسياً؟

سمير حمدي
سمير حمدي
2020/07/20 الساعة 10:48 مساءً

لم يكن رئيس الحكومة التونسية المستقيل، إلياس الفخفاخ، ناشطا سياسيا قبل ثورة 2011، فلا يُعرف عنه أي نشاط حزبي أو حقوقي ضمن أطياف المعارضة التونسية، ولكنه مثل وجوه كثيرة طفت على السطح فجأة، لتجد نفسها ضمن الدائرة السياسية الضيقة التي تدير البلاد. انضم رجل الأعمال الحامل الجنسية الفرنسية لحزب التكتل من أجل العمل والحريات في أواخر سنة 2011، ليجد نفسه قريبا من رئيس الحزب، مصطفى بن جعفر، وهو ما منحه فرصة تولي حقيبة المالية ضمن الائتلاف الحكومي الذي ضم أحزاب التكتل والنهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية (حزب الرئيس السابق المنصف المرزوقي). وبهذه السرعة، وجد الفخفاخ نفسه ضمن الجهاز الحكومي الذي يدير مصالح الدولة ووزيرا للوزارة الأهم من حيث الاطلاع على الموارد المالية للدولة، وهو أمر لا يخفى على رجل خبير وذي علاقة بدوائر المال والأعمال. بعد خروجه من أروقة الحكم، حافظ إلياس الفخفاخ على علاقات وثيقة مع الأجهزة الرسمية، خصوصا وقد تحول شريكا وعضوا في مجالس إدارة عدة شركات تنافس أساسا على نيل الصفقات العمومية المهمة، وذات المردودية العالية من الناحية المالية. وفي الانتخابات الرئاسية لسنة 2019، ترشح للمنافسة على منصب رئاسة الجمهورية، وحصل على نسبة لا تزيد على 0.34% من الأصوات في الدور الأول من الانتخابات، وفشل الحزب الذي ينتمي إليه في الحصول على أي مقعد في الانتخابات التشريعية. وكان يبدو أن الرجل قد طواه النسيان، خصوصا وأن الأحزاب التونسية معروفة بنشاطها المناسباتي، حيث لا تتحرّك إلا في أثناء المناسبات الانتخابية. فجأة، عاد إلياس الفخفاخ إلى الظهور، ولكن هذه المرّة بوصفه مرشحا لتشكيل الحكومة بعد فشل حكومة الحبيب الجملي في نيل ثقة مجلس نواب الشعب. ولم يكن اسم الفخفاخ الأكثر تردّدا ضمن مقترحات الأحزاب التي تم طرحها على رئيس الجمهورية، حيث لم يرد اسمه إلا ضمن مقترح حزب تحيا تونس، أو ترشيحات حزب التيار الديمقراطي، وهو في كل الأحوال لم يكن يحظى بدعم الكتل البرلمانية الوازنة. ومن هنا، كان مفاجئا أن يقرّر رئيس الجمهورية تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، خصوصا وأن النص الدستوري يؤكد بوضوح أن على رئيس الدولة أن يختار المرشّح الأقدر على تشكيل الحكومة.

منذ اللحظات الأولى لتشكيل حكومته، جاء خطاب الفخفاخ مشحونا بالعبارات الكبيرة، والتي تتركز أساسا على قضية محاربة الفساد ومحاسبة المتجاوزين في حق الدولة، بل وتعمّد، وبشكل حاسم، عدم دعوة حزب قلب تونس إلى مشاورات تشكيل الحكومة، باعتبار أن رئيس هذا الحزب، نبيل القروي، تحوم حوله شبهات فساد، وهو أمر أكده إلياس الفخفاخ بالقول إنه لن يقبل التحالف مع الفاسدين، في رده على مطالبة حركة النهضة بتوسيع الحزام السياسي والبرلماني للحكومة، وضم حزب قلب تونس إلى الائتلاف الحاكم. من الناحية الخطابية، كان شعار محاربة الفساد جذّابا وفعّالا في التأثير على الناس ودغدغة مشاعر الجمهور، خصوصا في ظل تصاعد روائح الفساد الحكومي التي تزكم الأنوف في أثناء حكومة يوسف الشاهد، والتي تورّط فيها وزراء مقرّبون من الشاهد، وينتمون إلى حزبه. إلا أن هذا الخطاب ذاته سيكون هو سبب السقوط السريع لرئيس الحكومة المستقيل إلياس الفخفاخ، بعد انكشاف فضيحة تضارب المصالح ومحاولة التربّح من المنصب الحكومي، من أجل تحقيق مكاسب مالية لشركاتٍ يملك فيها رئيس الحكومة المستقيل أسهما كثيرة، بل ويشارك في مجالس إدارة بعضها. ومن هنا جاء تقرير هيئة مكافحة الفساد صادما للرأي العام في تأكيده وجود شبهات تربّح وتضارب مصالح والاستفادة من المعلومات المهمة التي يستقيها من أجهزة الدولة، مستفيدا من موقعه بما يخدم الصفقات المالية للشركات التي تجمعه بها علاقة مصلحة. وأخيرا، صدر تقرير هيئة الرقابة العامة للمالية التابعة لرئاسة الحكومة ليثبت التجاوزات الحاصلة، خصوصا المتعلقة بشبهة تضارب المصالح. لم يكن إلياس الفخفاخ سياسيا بارعا بقدر ما هو رجل أعمال ناجح، يعرف كيف يستفيد ماليا ويفوز بالصفقات الأكثر دسامةً، وهذا ما أفضى به، في النهاية، إلى الوقوع في خطيئة تسخير المنصب لخدمة المصلحة الشخصية، ما يعني عمليا نهاية المستقبل السياسي للرجل. ففي تونس نادرا ما يعود من تولّى منصبا كبيرا إلى موقعه نفسه مهما حاول. وفي حالة الفخفاخ، ستكون المحاولة أكثر عسرا، لأنه خرج من الباب الصغير وشبهات الفساد تلاحقه. وفي حالته هذه، لم يلحق الأذى السياسي بنفسه فحسب، بل أيضا بمن اقترحه للمنصب، وبالأحزاب التي دافعت عنه، وفي مقدمتها حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب. والأسوأ من هذا أنه زاد من شحنة التشاؤم واليأس لدى الشارع التونسي في إمكانية محاربة الفساد من خلال السلطة الحاكمة. بقيت الإشارة إلى أن النقطة النيّرة فيما جرى أن النظام السياسي في تونس أثبت إمكانية إطاحة المسؤول السياسي الفاسد، وأن الأجهزة الرقابية تعمل بقدر من الكفاءة، بما ينتج الأمل في نظام سياسي أكثر كفاءةً وشفافيةً ونزاهةً في المستقبل.