آخر الأخبار :

لقد ابتذلوا كل شيء .. حتى الحرب

وائل قنديل
وائل قنديل
2020/07/25 الساعة 02:39 صباحاً

بالأمس، وقف عبد الفتاح السيسي يخطب في الجماهير، لمناسبة ذكرى حركة /ثورة/ انقلاب يوليو/ تموز 1952، محاولًا إنجاز استعارةٍ بائسةٍ متهافتةٍ لهيئة جمال عبد الناصر ونبرته، باستدعاء التاريخ للإجابة عن أسئلة الحاضر، مع أن الثابت قطعًا أن عبد الناصر أنجز لمصر السد العالي، فيما ساهم السيسي في إنجاز سد النهضة لأثيوبيا.

لعبة البندول التي يزاولها منذ سبع سنوات، متخبطًا بين انتحال شخصية عبد الناصر، تارّة، وشخصية أنور السادات، تارّة أخرى، تبعًا للموقف الذي يواجهه، والجمهور المستهدف بخطابه.

يقول السيسي، هذه المرّة، إنه صار حاكمًا لمصر في ظل تحدّيات غير مسبوقة بتاريخها "قدّر الله لهذا الجيل أن يواجه تحدّيات غير مسبوقة في تاريخها"، على حد تعبيره البلاغي الركيك، أمس، وهي جملةٌ من معلبات التاريخ السياسي في جميع دكتاتوريات الشرق والغرب، تجدها في معاجم نازية هتلر وفاشية موسوليني وانقلاب نابليون الصغير على الثورة الفرنسة وتراث بونابرت الكبير، كما تجدها كثيرًا في خطب طغاة الشرق على مر العصور، حيث لابد لكل طاغيةٍ من أن يخترع سياقًا تاريخيًا يظهر فيه بصورة الزعيم الذي خلقه الله لحماية الأمة من أعداء الخارج والداخل، في لحظة تاريخية غير مسبوقة.

 منذ إطلالة السيسي الأولى، التي صنعها المخرجون والمصورون لتدشينه حاكمًا، بعد خلع زيه العسكري، سجّلت وقائع تلك الزفة السياسية المبتذلة التي تنتمي بالكلية إلى عالم الشعوذة والسحر، فقلت إن مصر تتحوّل تدريجياً إلى "دولة فوتوشوب"، مجرّد تكوينٍ فوق رمال ناعمة على شاطئ بحرٍ صاخب، مع أول موجةٍ تنهار الأكاذيب والأوهام، ليرفع الستار عن زعامةٍ كرتونيةٍ مصنوعةٍ في ورش إعلام بلغ من العبط عتياً، يحاول أن يعتصر من حكايات السابقيْن، عبد الناصر والسادات، ما يكفي لرسم صورة "جنرال معاصر كبير". تمامًا كما جرى في حالة "بونابارت الصغير" بعد انقلاب 1851 في فرنسا، والذي وصفه كارل ماركس بالقول "مع ما هو عليه من قلة البطولة، اقتضى إخراجه إلى حيز الوجود بطولةً وتضحيةً وإرهاباً، واقتضى حرباً أهلية ومعارك بين الشعوب".

بالنظر إلى سنوات السيسي السبع في الحكم، تجد أنه توفر له ما لم يتوفر لغيره من السابقين من الجنرالات الذين حكموا مصر، إذ هي سبع سنوات كاملة معه مفاتيح الجيش والشرطة وفي جيبه اقتصاد البلد.. معه إسرائيل وأميركا وأوروبا وروسيا والصين.. معه مال السعودية والإمارات وأرز الخليج.. معه ذلك كله، وعلى الرغم كم ذلك صار عنوانًا للبلادة والفشل في كل الاختبارات الحقيقية التي مرت.

ثلاث اختبارات أساسية خاضها الجنرال: نهر النيل، ليبيا، سيناء. والنتيجة لا تخفى على أحد، جعجعة وطنين وصيحات معارك لم يخضها أحد، وأهازيج انتصاراتٍ لم تأت، وسُحُب دخان أكاذيب تتصاعد في الفضاء عن انتصارات السيسي على أردوغان في ليبيا، وعلى إثيوبيا في النيل، وعلى الإرهاب في سيناء.

سبع سنوات من ابتذال كل شيء، حتى فكرة الحرب بوصفها سعيًا وطوافًا مقدّسين للأمة حماية لحقوقها ودفاعًا عن وجودها، حوّلوها إلى ما يشبه "أغنيات المهرجان" تلك اللوثة الغنائية التي أصابت عقل مصر، وأعطبت ذائقتها ووجدانها، فباتت تراقص الانحطاط وتعانق الإسفاف، في كل شيء.

تحدّث السيسي بالأمس، في ذكرى التغيير الذي جرى قبل ثمانية وستين عامًا باعتباره الوريث لثورة يوليو وامتداد جمال عبد الناصر، غير أن كل ما يدور على أرض مصر الآن ينطق بأنه من العبث التسليم بأن الشخص الذي فرّط في كل شيء، وجعل ارتباط مصر بالعدو المحتل أقوى من ارتباطها بالشقيق والأخ والجار، أركبها قطار التبعية لصغارٍ يلعبون بالنار في ليبيا واليمن، يمكن أن يكون امتدادًا لحركة عسكرية/ سياسية، قال عنها الرئيس الشهيد، محمد مرسي، في خطبته الوحيدة في ذكراها "كانت ثورة 23 يوليو، بأهدافها الوطنية، بدايةً لتمكين الشعب المصري من تقرير مصيره ودعم تحرّره، وليكون هو بحق مصدر السلطة وصاحب الشرعية، وقد خاضت الثورة المصرية معركتي الجلاء والاستقلال، وحاولت أن تقدّم نموذجاً في دعم حركات التحرّر في العالمين، العربي والإسلامي، وأن ترسي مفهوما للعدالة الاجتماعية والتنمية المخططة وحشد الموارد من أجل مشروع وطني متكامل، ونجحت الثورة في بعض هذه الأهداف، وتعثرت في أهداف أخرى، خصوصا في ملف الديمقراطية والحريات".