لبنان الأسير

كمال عبد اللطيف
كمال عبد اللطيف
2020/08/20 الساعة 07:50 مساءً

بيروت ظهراً، يستمر الفجر منذ الفجر،

تنكسر السماء على رغيف الخبز، 

ينكسر الهواء على رؤوس الناس 

من عبء الدخان، 

ولا جديد لدى العروبة

محمود درويش

منذ زمن ليس قصيراً، تعالت أصوات لبنانية وعربية كثيرة، مُطالبةً بإنهاء لعبة الطوائف في لبنان. جُرِّبَت اللعبة خلال عقود بصيغ متعدّدة وبتواطؤ الجميع، من دون أن يحصل أي تغيير في الأوضاع العامة للشعب اللبناني، قَدْرَ ما زادت أحواله سوءاً. تواطأ الكبار والصغار، وتواطأ الآباء والأبناء، كما تواطأ على استمرار ذلك المحيط الجغرافي والقِوَى الإقليمية، وَصُنِعت الأساطير والزعامات المنسوجة بلغة الممانعات ومشروع التحرير المنتظر، ومعزَّزة بالمليشيات ومقتضيات التبعية، فتحوّل لبنان إلى فضاء للمزايدات السياسية والمزادات العلنية، الأمر الذي أنتج شروطَ الفساد ومقوِّماته وعَمَّمَها. وفي قلب هذا كله، حَرِص الجميع على مواصلة تغييب لغة العقل ومنطق التاريخ، وَتُرِك الأمر لمسلسلٍ من التدرّج صنع كثيراً من الخراب، من دون أن يتمكَّن أحد من إنهاء مَهَازِلِه وصور فساده التي حوَّلت بيروت إلى حرائق ودخان وضحايا تحت الأنقاض. 

شجَّع نظام الانتداب إنتاج الطوائف اللبنانية، وحافظت مختلف الأنظمة التي تلته، طوال عقود النصف الثاني من القرن الماضي، على القواعد الكبرى لِلُّعْبَة، وجرى التمسك بالطوائف ومليشياتها. حافظ الأبناء على مسميات آبائهم وأقاربهم ووظائفهم بشجاعةٍ لا علاقة لها بمنطق السياسة والتاريخ. واعتقد الجميع أن هذا الوضع هو الذي يناسب لبنان المنتجع السياحي، لبنان الفضاء المناسب لتبييض الأموال في الأرض والعمارة والسلاح. وقامت الحرب الأهلية ودُمِّر لبنان، تلتها حروبٌ متواصلة، من دون أن يتمكّن أحد من قهر الطوائف وتبعاتها.

ساهمت الجغرافيا، كما ساهم التاريخ ومقتضيات التنوع العقائدي، في تزكية وليمة مجتمع الطوائف المزيَّفة، ومن دون أدنى عناية بمشروع الوطن والمواطنة. وساهم الكيان الصهيوني في إنتاج معادلاتٍ جديدةٍ في ملف الصراع الصهيوني العربي، وخصوصاً في ملفات أوضاع اللاجئين في لبنان. كما ساهمت العلاقات التاريخية المعقَّدة بين سورية ولبنان في دائرة الشام الكبرى، في تلغيم حقول الطوائف وتوسيعها، وكذا علاقات لبنان بالغربين، الإمبريالي والمسيحي، في تعزيز مساراتٍ في السياسة لا أحد يعرف حدودها. 

ترتَّب عن مُحَصّلة ما ذكر تأجيج مناخ الطائفية، خصوصاً أن قِوَى عربية وإقليمية حَوَّلَت بعض الطوائف إلى أطراف فاعلة في الصراعات والتخندقات المذهبية السائدة في المشرق العربي، فأصبحنا، في النهاية، أمام لبنان الأسير بدل لبنان الشامخ، منارة التنوير في المشرق العربي. تحوَّل لبنان إلى مجرد أسير في أيدي قِوى عديدة منخرطة في أتون الصراعات والحروب المشتعلة في المشرق العربي. وعندما نتأمل ما جرى ويجري اليوم في لبنان، من حقنا أن نتساءل: هل أضيف العراق إلى لبنان، أم أضيف لبنان إلى اليمن؟ أم أن الجميع يسبح اليوم في المياه الآسنة لسورية، وينتظر رحمة مدبّري لعبة الطوائف وضروبها وأسمائها المستعارة؟ ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن لبنان لم يعد اليوم وحده أسيراً لنظام سياسي، مهمته الأساس تدبير المُحَاصَصَات واقتسام الغنائم، فقد أنتج هذا النظام أسرى آخرين، يتعلق الأمر بِنُخَبٍ وتيارات سياسية وثقافية تتحدث بكثير من اليقين عن استحالة تجاوُز النظام الطائفي، نُخَبٍ أصبحت أسيرة أوهام ومواقف لم تحرِّر وطناً ولم تصنع تنمية، فوجد الجميع أنفسهم وسط دائرة مغلقة وملغومة، غُيِّبَ فيها الوطن وحضر أسرى من كل مذهب وطائفة.

لا نتردَّد في النظر إلى فاجعة انفجارات مرفأ بيروت يوم 4 أغسطس/ آب الحالي، باعتبارها من نتائج نظام الطوائف اللبناني، الذي لم يُنتج خلال العقود الأربعة الماضية سوى مجموعات مُقَنَّعَة من مافيات الفساد والفقر، ومختلف علامات الخراب والدمار التي تَعُمُّ أرجاءه. لقد تحوَّل لبنان إلى بؤرة مشتعلة وحاملة مختلف تناقضات المحاوِر الإقليمية والدولية. وتُعَدُّ أوضاعه المنهارة، قبل الانفجار وبعده، عنواناً لمآلات الطائفية وويلاتها. لهذا، نتجه إلى كشف بعض أقنِعة الذين يواصلون التغنِّي بشعارات الممانعة والضربة القاضية، وذلك احتراماً لأخلاق السياسة والتاريخ، احتراماً للضحايا الذين ذهبت أرواحهم هباءً، فقد تحوّلت لعبة الطائفية إلى وباءٍ مخيف، انفجرت بيروت بألغامه وحساباته مرّات عديدة. صحيحٌ أن وعينا ومصيرنا مقيَّدان بحتميات جغرافية وعقائدية محدَّدة، إلا أن القيود التي نلتزم اليوم شروطها قد لا يعود يكون ممكناً، في لحظة معينة، مواصلة الخضوع لإكراهاتها إلى الأبد. والأفق التحرري المُستقِل الذي يتطلع إليه اللبنانيون يمكن أن نبني من أجله خياراتٍ أخرى لا علاقة لها بمنطق الطوائف وأهوائها.

آن الأوان لوقف مهازل الوضع السياسي والاقتصادي والمشهد الحزبي في لبنان، ونحن اليوم في حاجة إلى مواجهة أنفسنا قبل الآخرين، ذلك أننا نرسم مشهدنا السياسي بأسماء غريبة ومستعارة، نستحضر فيها مُتَخَيَّلاً وافداً من أزمنةٍ بعيدة، نضع أقنعة وننسى ملامحنا الفعلية، نتحدّث عن السُّنة والشيعة، والمارونية والدُّروز... إلخ. ونرتب فِرَق الشيعة والسُّنة بلغاتٍ متعددة، ونتخلَّى عن مشروع الاندماج الاجتماعي والدولة الوطنية، مشروع الدولة المدنية المستقلَّة.

يتواطأ الجميع على رسم أسماء الطوائف والمِلَل وعلاماتها، انطلاقاً من مقدّمات تمتلك هشاشةً مكشوفة، ذلك أنه لا علاقة للعربي اللبناني اليوم لا بالشيعة ولا بأهل السُّنة ولا بالروم الأرثوذكس، فهذه مفرداتٌ تغذي تاريخياً ووجدانياً كثيراً من الأمور التي لا وجود لها إلّا في أذهان من تَخُصُّهم. إنها أحوال ترتبط بقناعاتٍ وعاداتٍ لا علاقة لها بالمجال السياسي في مجتمع جديد، ساهمت نُخَبُه، منذ القرن التاسع عشر، في بسط مقومات الاندماج والوحدة الوطنية والدولة الوطنية والمواطنة السياسية، وقد أصبحت هذه المفردات جزءاً من القاموس السياسي في الثقافة العربية، وظل لبنان الأسير يكتفي بإعدادها للنشر وتوطينها في مختلف الأقطار العربية، مستثنياً من ذلك لبنان وأهلَه!