القوة الناعمة في مواجهة قوة غاشمة

حلمي الأسمر
حلمي الأسمر
2020/08/20 الساعة 07:51 مساءً

عانت بلادنا العربية، ولم تزل، من حقبة الاستقلال الملتبس، أو ما يمكن أن يسميه بعضنا "الاحتلال الوطني". فمنذ نحو قرن، خرجت بلادنا من مواجهةٍ مع ذاتها، حينما اصطفّت مع الغريب الغربي لإنهاء حقبة "الخلافة العثمانية"، وبغضّ النظر عن اختلافنا حول تقويمنا هذه الحقبة، واختلافنا في توصيفها، أكانت استعماراً أم حكماً وطنياً أصيلاً توافقياً، إلا أن ما تبع إنهاءها كان وبالاً علينا، حيث اقتسمَنا المنتصرون كقطعة الجاتو، ونهبوا أرضنا، وزرعوا تحت كل حجر قنبلةً موقوتة، ولم يرحلوا عن بلادنا إلا حينما اطمأنوا إلى أنهم تركوا خلفهم وكلاء لهم، على تنوّع في طبيعة هؤلاء الوكلاء ومدى "إخلاصهم" لمن أهدى إليهم البلاد والعباد، حيث أفلت بعضهم من قبضة المستعمر، فيما تماهى الآخر مع رغباته ومشيئته، ومن تمرّد عليهم واجه حرباً شرسة، ولم يزل. وبقيت المسألة برمتها بين شدّ وجذب، وفق ظروف كل بلد ومدى وعي العقل الجمعي أسّ المسألة، لكن في الجملة بقي "الاستقلال" الذي تتمتع به الأقطار التي رسم حدودها الغريب استقلالاً منقوصاً، بالمعنى الجيوسياسي والاقتصادي، وحتى الاجتماعي والقانوني. صحيح أن ثمّة دساتير تحكم القوم، ولكل بلد أعلام وأعياد استقلال وجيوش ونشيد وطني وسجاجيد حمراء تُفرَش لكبار الزوار، وربما مجالس تشريعية وبرلمانات وقوانين، لكن هذا كله، أو بعضه في أحسن الأحوال، بقي محض ديكور و"أكسسوارات" فالصو، بالتعبير السائد، كما هو شأن العروس الفقيرة التي تتزيّن بحلي مزيفة، مطلية بالذهب، وما هي بذهب.

تبع هذا بالطبع نشوء أنظمةٍ لها مصالح وارتباطات وثيقة مع الخارج، واقتضى الحفاظ على هذه المصالح، وعلى وجودها على رأس السلطة، قوة غاشمة تحافظ على شكل المنجز، واستعانت على استقرارها وتسويقها بماكينةٍ يُعمَل على تحديثها باستمرار لإنتاج "نخبٍ" حافظة لها، مهمتها بيع الوهم للشعب، وتسويق السلطة وضرورة بقائها، فضلاً عن إنتاج بيئةٍ حاضنةٍ لها من المستفيدين منها، والمستعدين للقتال في سبيل بقائهم وبقائها. إضافة، بالطبع، إلى الماكينة الضخمة القادرة على ديمومة ضخّ الحياة في منظومة "القوة الغاشمة"، وهي مستعدة دوماً لسحق أي "متمرّد" على مشيئتها، فرداً كان أو حزباً أو جماعة أو حتى مجموعة كشافة مدرسية، بدعوى الحفاظ على هيبة الدولة والأمن الوطني والنظام. وفي الأثناء، وفي غياب مساءلة أو محاسبة صارمة، لم يكن الفساد جزءاً من الدولة فحسب، كما قال رئيس وزراء لبنان المستقيل، حسّان دياب، بل كان أقوى من الدولة. وهكذا، وفي بيئة نشطة لإنتاج العشب الضارّ، تحوّلت الأوطان إلى مرتع خصب لكل أنواع الموبقات. وعانت الشعوب ما عانت من هذه الأوضاع، وغيّبت أصواتها، واستشرت المفاسد، واشتعلت الحروب الأهلية والبينية حتى بين "الدول"، سواء كانت حروباً بالمعنى الحرفي، أو كحروب باردة، تحرّكها أيدٍ لم تعد خفية!

وسنحت الفرصة بعد سنوات عجاف، وبين حين وآخر، للتخلص من كل هذا العفن. وفي كل مرة، كان "المنقذون" من خارج البلاد يهبّون لنجدة وكلائهم، وإحباط كل جهد وطني حقيقي للخلاص. وحارت النخب المستقلة غير المرتبطة بطبقة الحكم في طرق الخلاص، وتنوعت عقائدهم وأيديولوجياتهم من يمين إلى يسار إلى وسط إلى لا لون، وحاروا في الطريقة التي تمكّنهم من بعث الوعي في العقل الجمعي العربي، واستنهاض الهمم النائمة. وفي كل مرة، يبرز برعم واعد يُسحَق بمنتهى الوحشية، حتى بات سؤال: "ما الحل؟" على لسان الجميع المعنيّ بالخلاص. وقد قُتل السؤال بحثاً وتقليباً، حتى يئس بعضهم واستسلم للسلطة، أو فرّ بجلده إلى ما وراء البحار، أو ابتلعته السجون والمعتقلات، أو لاذ بعزلته. وبلغت الأمة دركاً غير مسبوق في الاستسلام لعدوّها، وما تسابُق القوم لعقد اتفاقات "السلام" و"التطبيع" مع الكيان الصهيوني الغاصب، رأس حربة الاستعمار الغربي، إلا الدليل الأكثر نصاعةً على المستوى الذي تردّت إليه الأوضاع، غير أن الانفجار المعرفي الذي وفّرته منصات الإعلام الشعبي، ومواقع التواصل الاجتماعي، أعاد الشهوة للراغبين في البحث عن جواب السؤال، خصوصاً بعد أن أغلق الإعلام الرسمي أبوابه في وجه الحقيقة والأحرار، وغدا مختبراً لتسويق الكذب وإنتاج الأوهام.

لقد جرّب المصلحون الحقيقيون، والمفكّرون، وأصحاب الأقلام النظيفة كل الطرق الممكنة للنهوض، وكتبوا في هذا ملايين الصفحات، وأنتجت أفكارهم جماعات وأحزاباً، كلها تعثرت في الإمساك بطريق الخلاص. وبدا أن قدر الأمة الاستسلام لمصيرها المحتوم. وفي وسعنا اليوم أن نقول، بعد هضم كل التجارب الخيّرة في النهوض والبعث الحقيقي والخلاص، إن القوة الناعمة هي الطريق الأسلم لمواجهة القوة الغاشمة للنظام العربي الرسمي. ويتسع مفهوم القوة الناعمة هنا، حتى يشمل كل نشاط علمي أو فكري أو اجتماعي أو إبداعي يهدف إلى إبقاء شعلة الوعي متقدة في قلوب الغيارى على هذه الأمة. ولا تتسع عجالة كهذه للتفصيل في أنواع القوة الناعمة اللازمة للمواجهة، لكن ثمّة محدّدات لا بد منها، حتى تكون هذه القوة فاعلةً في التأثير وترميم الوعي الجمعي. لعل من أهمها النأي عن الولوغ في ماكينة النظام الرسمي، والتبشير الدائم بأهمية بناء منظومة شعبية مؤيدة لقوننة الواقع العربي، وفق قيم حقوق الإنسان الأساسية غير المختلف عليها، لا في الشرعة الدولية، ولا في التشريعات المحلية، نبراسهم في هذا مبدأ ذهبي يقوم على: خلّوا بين الناس وبين ما يعتقدون، ودعوهم فليختاروا ما يشاؤون من عقائد ومبادئ، وسيختارون ما يناسبهم. وبتعبير آخر، على المشتغلين بالهمّ العام من مخلصي الأمة إدامة العمل على تمدين المجتمع وتوجيهه نحو المطالبة بحقه في الاختيار، حتى تحين الفرصة الكاملة للتغيير.

ومن عجائب المصادفات أن الشعب الفلسطيني، وهو الأكثر تضرّراً ربما من الواقع العربي الحالي، هو الأكثر قدرة على تحرير الوطن العربي مما هو فيه، بعد أن كان ينتظر نجدة العرب، خلال سنوات الوهم، لتحريره من الاحتلال الصهيوني، فهو الآن في وسعه أن يوقف التدهور في حال الأمة، عبر نسف قطار التطبيع مع العدو الصهيوني، لكون التطبيع الآن هو التعبير الأكثر خشونةً ووقاحةً عن حال الأمة. وتكمن خطة النسف في كلمة واحدة هي: "الانتفاضة"، فهي كرمز مكثف للقوة الناعمة، القادرة الآن على مواجهة القوة الغاشمة، وقلب الطاولة في وجوه الجميع، وإعادة ترتيب الأجندة القومية برمتها، وربما إعادة إنتاج الواقع العربي كله، فضلاً عن تعديل المزاج الدولي الذي فقد الاهتمام بقضية فلسطين على نحو أو آخر!

حال فلسطين على الدوام، والقدس تحديداً، كان باروميتر كرامة الأمة، فمنها ينطلق شعاع النور. وحين يخبو تُطفأ الأنوار في عواصم العرب قاطبة. وتتجه الأنظار اليوم إلى الشعب الوحيد الواقع تحت احتلال مباشر، لتحرير شعوب واقعة تحت احتلال ملتبس!