الكاظمي الهروب إلى الشام الجديد

عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون
2020/09/03 الساعة 01:28 صباحاً

اجتاز رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بسلام فترة المائة يوم التي حدّدها خصومه، لتقييم منجزاته خلالها.

والظاهر أنهم شرعوا في شحذ أسلحتهم لإطاحته، إلا أن طهران لم تعط الإذن بذلك، وفضّلت التريث، لقناعتها بأن إطاحته في هذا الوقت قد تنعكس عليها سلبا، خصوصا وهي تمدّ اليد الناعمة مجدّدا إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتسمح لها بتفتيش بعض مواقعها التي يعتقد أنها كانت تمارس فيها أنشطة نووية، ويلاحقها تحرّك أميركي في مجلس الأمن، لإعادة فرض العقوبات الدولية عليها. 

وقد تعيد المواجهة مع الكاظمي أزمة السلطة في العراق إلى المربع الأول، بحيث تتحقق الفرصة لثوار تشرين، بفرض مطالبهم، وهذا ما تخشاه طهران.

ولذلك تراجع "وكلاؤها" النافذون عن مطلبهم عقد جلسةٍ للبرلمان لسحب الثقة منه، وقد يعاودون مسعاهم، بعد شهر محرّم الذي تكون معظم القيادات الشيعية منشغلة في إحياء مراسيمه.

وعلى أي حال، لم يرق هذا "التأجيل" للجناح الراديكالي في القيادة الإيرانية، كما لم يخفّف من نقمة الخصوم، ومن تهديداتهم للكاظمي، وإصرارهم على إطاحته، حيث اتهمته كتائب حزب الله، أقوى المليشيات الولائية المرتبطة بالحرس الثوري بالرضوخ للإملاءات الأميركية، والتفريط بالحقوق، و"كل من يتواطأ مع المحتلين والمتآمرين على حساب الوطن سوف يحاسب"!

لم تعط هذه الوقائع الدراماتيكية الصورة الماثلة أمام الكاظمي اللون الوردي الذي يتمناه، وهو العائد من واشنطن محمّلا بدزينة من شروطٍ عليه الإيفاء بها في مقابل حصوله على جرعات دعمٍ أكبر له، ولماكنته الحكومية، تصنع له نوعا من الشعبية، وتدرأ عنه شرور خصومه ومؤامراتهم، وهو يدرك جيدا أن سياسة "مسك العصا من الوسط" فقدت صلاحيتها للاستخدام في ظروف دولية وإقليمية معقدة، كالتي تعيشها المنطقة. 

لا بد من تعديل السياسات، إذن. هكذا فكر الكاظمي، وكان أن طرح مشروع "الشام الجديد" الذي يعتقد كثيرون أن سلفه عادل عبد المهدي هو من ولدت فكرته على يديه، وذلك في محاولةٍ من الكاظمي للهروب إلى أمام، وللتملّص من استحقاقات داخلية مهمة، وعد بها في منهاجه الوزاري، وظلت حبرا على ورق ولكن المشروع "العملاق"، بوصف أحد أنصاره، لم يقابل بما آمله الكاظمي منه، باستثناء شطحاتٍ ظهرت هنا أو هناك، لبعض من أحسنوا الظن فيه، إذ رأوا فيه خطةً طموحةً تقوم على تفاهماتٍ اقتصاديةٍ تجمع بين كتلة نفطية (العراق) وكتلة بشرية (مصر)، ينهض بينهما الأردن حلقة وصل.

فيما قال آخرون إنه يشكل عملية إحياء لخريطةٍ كان وضعها البنك الدولي، تضم الأقطار الثلاثة إلى جانب لبنان وإسرائيل، وربما تركيا، و"الأراضي الفلسطينية" أيضا، ليشكل منطقة اقتصادية رائدة ومؤثرة. والمثير أن دبلوماسيا إسرائيليا مرموقا كان بشّر قبل عام بخطةٍ مشابهةٍ "تغير خريطة المنطقة، وتساهم في تعزيز السلام فيها"، و"تجعل من إسرائيل بوابة للعرب نحو أوروبا".

اللافت هنا أن قمة عمّان الثلاثية التي كان من المفترض أن تناقش المشروع العراقي لم تتطرق في بيانها الختامي إليه، ولو بكلمة، واكتفت بتكرار مفردات "التنسيق" و"التعاون" و"التكامل".. إلخ. وربما يكون الكاظمي نفسه قد صرف النظر في اللحظة الأخيرة عن طرح مشروعه، أو أن ملك الأردن ورئيس مصر لم يجدا في المشروع ما هو جديد أو مجدٍ.

اللافت أيضا أن المشروع استفز، عن غير قصد، فريقا من "القوميين السوريين" الذين يحتفظون لأنفسهم بحقّ أخذ السبق في ترويج مشروع كهذا منذ أكثر من نصف قرن، وأن ثمّة بعدا بين مشروع "بلاد الشام" الذي دعا إليه الزعيم (لقبٌ اعتاد القوميون السوريون إطلاقه على أنطون سعادة) ومشروع الكاظمي.

ولعل أهم ما نعثر عليه، ونحن نستذكر أدبيات سعادة، الموثقة في أزيد من مرجع وكتاب، ونقرأ الإشارات المقتضبة عن مشروع الكاظمي، أن الأول يعتني بالقضية الفلسطينية ويعطيها أهمية مطلقة، وينظر إليها "صراع وجود وليس صراع حدود"، فيما يبدو الثاني كأنه يسعى إلى اللحاق بقطار التطبيع الذي وصل للتو إلى محطة أبوظبي.

وتبعا لذلك، شكك القوميون السوريون في المشروع العراقي وجدواه، وتساءلوا عن دوافعه في ظروف ملتبسة عربيا وإقليميا.

وفي المحصلة الأخيرة، يمكن توصيف مشروع "الشام الجديد" أنه مداراة لطموح شخصي عند الكاظمي، في أن يخلف وراءه تحولا استراتيجيا يحسب له تاريخيا، لكن ما كل ما يتمنّى المرء يدركه.