دعونا نستمتع بالجمال

رشا عمران
رشا عمران
2020/09/05 الساعة 06:31 مساءً

كنت، قبل أيام، لدى مصفّف الشعر، المصري الذي عادة ما أتبادل معه أحاديث السياسة والوضع العام خلال المدة التي أقضيها ورأسي بين يديه، عن سورية وتطورات أوضاعها، والمقارنة مع مصر، وشعورهم تجاه السوريين وتجاه ما يحدث، وما فعلته الثورات العربية ببلادنا، (كغالبية أصحاب المهن الحرّة، المشغولين بمهنهم فقط والمتأثرين بالإعلام وخطابه). لم يكن من مؤيّدي الثورات، على الرغم من قناعته بأن ظلماً يلحق بشعوبنا، لكنه من المعتقدين أننا، نحن العرب، "لا نستحق أفضل مما نحن فيه". وهذا بالمناسبة خطاب نسبة كبيرة من العرب، تعود أصوله النفسية إلى آلية دفاع ذاتية، حين يعجز صاحبها عن استيعاب ما يحدث حوله، ولا يريد إشغال تفكيره بما يلهيه عن عمله الأساسي، عدا عن أن مصلحته الشخصية، عاملاً حرّاً، مرتبطة بالاستقرار، وهو الأمر الذي خلخله الربيع العربي تماماً.

قبل أيام، ورأسي بين يديه كالعادة، أعاد أسئلته عن سورية وما يحدث فيها، و"انتصار الجيش السوري على الإرهابيين أخيراً"، وأخبار كورونا طبعاً، لم أكن متحمّسة للحديث كالعادة، ولا لمحاولة إفهامه حقيقة وضع "الانتصار" الوهمي الذي يتحدّث عنه. ولم أشعر بأنني معنية بتغيير رأيه عن "الجيش ورئيسه المجاهد". تحدثت قليلاً عن وضع كورونا مع السوريين وصمتّ. لم يخف استغرابه من قلة حماسي، وقال: "يبدو أن كورونا قد أنستك السياسة، وهذا أفضل، إذ إن وجهك الآن أكثر هدوءاً ورونقاً مما كان في السابق، الحماس السياسي يخفي الجمال"! 

لفتتني جملته هذه جداً، واستوقفني معناها الذي لا أعتقد أنه كان يقصده، إلا بما هو مجاملة معتادة من مصفّفي الشعر، واستعدته هذه الأيام مع زيارة الرئيس الفرنسي، ماكرون، منزل السيدة فيروز، ومنحها وسام الشرف الفرنسي، واستقبالها له "كملكة" في منزلها وثيابها البسيطة، وما رافق تلك الزيارة من آراء مرحّبة ومضادّة وشتائم لفيروز وإساءات لها، واستهزاء من كل شيء، بدءاً من مسكنها وصولاً إلى أيقنة عرب كثيرين لها. والذريعة دائماً وأبداً للرفض والشتائم والاستهزاء أنها لم تعطِ رأياً بالربيع العربي، ولم تتحدّث عن ضحايا الأنظمة، ولم تلقِ بياناً عن انفجار مرفأ بيروت. عدا عن الذين اعتبروها تتحالف مع "المحتل" الفرنسي وتسلمه مفاتيح لبنان، في استعادةٍ لسردية الجنرال غورو. وعدا، أيضاً، عن تصريحاتٍ عن تأييدها بشار الأسد وحزب الله في حربهما ضد السوريين. قال ذلك ابنها زياد، ثم نفته ابنتها ريما (المتحدثة باسمها) لاحقاً. 

للأسف، ظهرت مجدّداً كل المكارثية التي وسمت ثورات الربيع العربي، مع صورة فيروز في بيتها وهي تستقبل ماكرون، وتقف على مسافة منه، كما عادتها في المحافظة على المسافة مع الجميع، المسافة التي لم تستثن منها أحداً، لا رئيس دولة ولا ملكاً ولا مسؤولاً ولا كاتباً ولا صحافياً ولا أحداً. ظلت فيروز، طوال تاريخها الفني الطويل، تحيط نفسها بهالة، على الرغم من أنها أبعدتها عن الحياة الحقيقية، وأدخلتها في مصافّ الملائكة (شخصياً لا أفضّل الملائكة)، لكنها حمتها من التهافت والسقوط في فخّ الأنظمة العربية الاستبدادية التي استثمرت أهم الرموز الفنية والثقافية العربية لصالح تبييض صورتها.

لا ريب أن غالبية المحتجين على فيروز يأتي احتجاجهم من منطقة الحماس والتفاعل السياسي مع الأحداث التي تعصف بعالمنا العربي منذ عشر سنوات، غير أنه لا يمكنني أن أفهم كيف يمكن لمثقف مثلاً أن يصرّح بأن فيروز تافهة، أو لآخر أن يقول إنه لم يعد يحتمل أن يستمع إليها، لأنها لم تعلن موقفاً ضد النظام السوري. أنا وكثيرون غيري، ممن كنا نرى في فيروز حالةً استثنائية، تغير وعينا ومزاجنا الفني مع التقدّم في السن. وهذا طبيعي بل ومطلوب، لكن هذا التغير لا يرتبط بأي حال بصمت فيروز عن أحداث الربيع العربي، ولا يغير أيضاً من قيمة فيروز واستثناء صوتها، ولم يحجُب تفاعلنا مع الربيع العربي، ولا حماسنا ضد أنظمة الاستبداد والإجرام جمال صوت فيروز، ولا جمال موسيقا زياد الرحباني، ولا متعة قراءة قصائد لشعراء صمتوا عن قول أي شيءٍ يختصّ بما حدث خلال العقد الماضي. نحن حتماً لا نحترم موقفهم الأخلاقي، ولا صمتهم، ولا نوافق على أيقنتهم، لكن التحلّي ببعض الموضوعية أمر أخلاقي أيضاً، تقدير القيمة الفنية والثقافية لأصحاب القيمة أمر أخلاقي، بعيداً عن فكرة الأيقنة التي ليست أيضاً سوى هروب من استحقاقات المواقف المطلوبة. نتفهّم حماس أولئك، لكن نرجوكم: دعونا ننحّي الحماس قليلاً، لنرى الجمال الذي لم يتبق لنا غيره يعيننا على ما نحن فيه.