آخر الأخبار :

بين الفساد والإصلاح

أحمد عمر
أحمد عمر
2020/10/02 الساعة 12:10 صباحاً

اتصل بي صديقٌ من الحسكة، يستفتيني في شأن مراجعة فرع المخابرات في دمشق رقم كذا. علمَ بذلك وهو يريد تجديد جواز سفره. أخبرني بأنّه مطلوب بسبب تشابه الأسماء، فاستيقنت أن سورية المقاومة التي انتصرت على مائة دولة لم تحلَّ بعد مشكلة صغيرة مثل تشابه الأسماء، فالمواطن متهم حتى تثبت براءته، وحتى يثبتها، عليه السفر إلى العاصمة. ذكّرني صديقي بخطاب الرئيس السوري الطويل عن الإصلاح الإداري قبل أيام، وفيه تجديفٌ وإلحادٌ وطني، وفلسفةٌ كثيرة في خطبة طويلة بأعضاء الوزارة الجديدة، وهم مكمّمون بكمامة كورونا، لا كمامة الحق، يُنصتون خاشعين، لا مبدّلين ولا مغيّرين، ولا فاتنين ولا مفتونين.

تذكّرت ملحمة الإصلاح البسوسية التي لا تنتهي في سورية، وأنَّ هذا القائد المفدّى، والذي أنعم الله بعقله وحكمته وأسرته على الشعب السوري، فعاش الشعب في عهده بعزٍّ وهناء، بدأ عهده بالحديث عن الإصلاح. رأيت يوماً طريقاً بين حلب ودمشق، كان الشبيبة قد نظفوا مسافة ثلاثة فراسخ منه، في إحدى المناسبات الوطنية، وجمعوا الأوساخ في أكياس، ورتّبوها كأسنان الغولة على جانب الطريق. ومضت أشهر، والأكياس بين مخالب الريح التي مزّقتها تمزيقاً، وبدأت الثروة تتسرّب منها وتذهب مع الريح. وعلمت أن إحدى إنجازات الأسد الإصلاحية فتح نافذةٍ لشكاوى المواطنين، فوضعت روحي على كفّي، وقصدت البلدية، وسألت عن النافذة حتى اهتديت إليها، وشرحت للموظف شكواي، إنها شكوى وطنية غير شخصية، وإنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، وغرضي خدمة الوطن وتشجيع السياحة، ولا أحاول مُلكاً، فأخبرني بأن أقدّمها في ورقةٍ رسمية، ولها مهر، ومهرها طابعٌ ثمنه عشر ليرات، وهو ما يعادل عشرة دولارات في دولة أوروبية! حاولت أن أقنعه بأنها من أجل الوطن، وأنني ضد التطبيع، فقال لي: هذا هو القانون. .. فقلت لنفسي: ليكن جهدي ومالي صدقة في سبيل الله، فإماطة الأذى عن الطريق شعبةٌ من شعب الإيمان. ثم إني جلست من أجل عمارة الورقة الرسمية بالمعلومات: اسمي وعنواني وأسماء عمّاتي وخالاتي وميولهن السياسية والعاطفية.. 

جعلت أفكّر في الهرب، لكن الموظف كان لي بالمرصاد، ثم كان أن خرج شرطيان مسرعين، وهما يتفحّصان الناس واتجها إليَّ. وكانت دار القضاء و"القدر" مفتوحة على دار البلدية، لا يفصل بينهما سوى معبر، ووقفا أمامي، وانقضَّ أحدهما عليَّ. وأخرج أحدهما "خلاخيل الرجال"، وقيّدني من معصمي بمشعات الحرارة المعدنية. سـألت عن سبب الاعتقال، فاتهماني بالهرب، أدركت أنهما يشتبهان فيَّ، ويشبّهاني بأحد الفارّين، أخبرتهما بأنهما مخطئان، وأخرجت محفظتي وفيها بطاقتي الشخصية، فنظر الشرطي إلى الصورة، وقال: لا تشبهك. أخرجت له بطاقة العمل، ثم أردفتها ببطاقة صحافية فأحدثت أثراً يشبه أثر الفراشة.

ثم أن أحدهما، هداه الله، قال لزميله إنَّ صاحبهما الهارب كان يلبس معطفاً أبيض، بينما معطفي أزرق، فحقق الآخر، وناوب النظر بيني وبين البطاقة، ثم خطر له أمر، فطلب مني أن أنتظر وألا أهرب، فقلت كيف أهرب وأنا مقيد.. مضى وأحضر عجوزاً لا يكاد يُبصر، اقترب مني ووضع نظّارة سميكة، ونظر إلي وناداني قائلاً: حسين، فتعوّذت بالله من الشيطان وقلت: أنا لست حسين؟ ثم إن العجوز قال لهما قول يعقوب عليه السلام في التوراة: الشكل شكل حسين، لكن الصوت ليس صوته.

ثم تذكّر الشرطي أنَّ بطاقة الهارب معه، فأطلقني. رميت الشكوى إلى الموظف. ولحسن الحظ، كانت عنده طوابع، فالعادة أن تكون الطوابع في منطقة بعيدة، وكان ذلك إصلاحاً من إصلاحات الأسد. خرجت وأطلقت ساقي للريح إلى ألمانيا.

لم يجد صديقي بدّاً من مراجعة الفرع بعد مصادرة هويته، احتجزوه يومين، حققوا معه معصوب العينين، نام مع ثمانيةٍ في زنزانة، أكل خبزاً معفناً وبطاطا مسلوقة، خرج بحمد الله، أخبروه بأن اسمه سيُمحى بعد نصف شهر من بين أسماء المطلوبين.