آخر الأخبار :

الرئيس أحسن من أهلك

خطيب بدلة
خطيب بدلة
2020/10/02 الساعة 12:20 صباحاً

الطرائف ذات الطبيعة السياسية كثيرة، ولذيذة، ولكننا، أيامَ كنا نرزح تحت وطأة حكم الديكتاتور حافظ الأسد ووريثه، كنا نتجنب رواية ما نحفظُه من طرائف أمام عامة الناس، بل ونخاف حتى من الإصغاء إلى طرفة، لأن ما كان يجري في ساحة التحقيقات الأمنية مرعب.

فالواحد منا عندما يسمع طرفة سياسية تمس واحداً من المجرمين الكبار، حافظ الأسد أو رفعت أو جميل أو فواز.. أو أحد رؤساء الشُّعَب الأمنية، يخاف أن يَعْلَق الشخصُ الذي روى النكتة في الفخ، ومن كثرة ما يعذبونه ويسألونه (قدام مين حكيت هالنكتة ولاه كرّ؟).. ولكي يتخلص من الضرب، يعصر ذاكرته، ثم يعترف بالذين ارتكبوا (جريمة) الاستماع للنكتة! ووقتها يفاجئونه بالسؤال الثاني، وهو (ولما الحمار "فلان الفلاني" سمع منك هاي النكتة البايخة، ضحك ولّا ما ضحك؟) فإذا قال لهم: نعم ضحك، يصبح الجرم أكبر، ويُسْتَدعى كل الذين سمعوا النكتة، سواء ضحكوا أم عبسوا، ويذهبون في خبر كان.

أبو زاهر: صدقاً أنا كلما بتنحكى قدامي هيك أفكار بنقهر، وبقول لحالي إنه كل شعوب العالم بتنكّت وبتمزح وبتضحك.. ولا شك إن الإنسان السوري هو الوحيد في العالم اللي بيخاف يحكي نكتة أو يسمع نكتة!

أبو المراديس: صح، وعلى فكرة يا أبو زاهر، اللي بيحبوا التنكيت مو دائماً بيكونوا معارضين للنظام اللي بينكتوا عليه، ومو دائماً النكتة بتعبر عن موقف سياسي. في ناس ما بيقاوموا إغراء التنكيت، بغض النظر عن مدلولات النكت اللي عم يحكوها. أنا بعرف واحد إسمه عبود العبود (اسم افتراضي) هوّي وكل عيلته مؤيدين لنظام الأسد، وعايشين من وراه، وهلق أغلبهم صاروا شبيحة، ومع ذلك لما حكى نكتة عن حافظ الأسد غطس في جورة ما إلها دَوَّاسات، وما عاد يعرف كيف يطلع منها.

أبو ابراهيم: شي غريب إنهم يغطسوه، هدول المؤيدين من عظام الرقبة..

أبو المراديس: هني من عظام الرقبة أكيد، لكن حافظ الأسد كان خط أحمر، ما بيحق لحدا، كائناً من كان، يحكي عنه إلا في مجال المديح. وهادا الرجل حكى نكتة على حافظ الأسد شخصياً.. بالنسبة للنكتة إنتوا بتعرفوها.. قصدي نكتة حافظ الأسد وطبيب القصر الجمهوري..

حنان: بظن قليلين اللي بيعرفوها، أنا مثلاً ما بعرفها.

أبو المراديس: طيب، راح إحكي لك ياها بإيجاز. حافظ الأسد يا ست حنان، متل كل الناس، بيحب الحلويات، لكن هوي كان مصاب بالسكري، وفي مرة من المرات، أثناء الفحص الدوري، لاحظ طبيبُه الخاص إن نسبة السكري في الدم عنده مرتفعة، فحاول يكون صارم معه، وقال له: سكرك مرتفع يا معلم، 360 ملغ خطر عليك، بدك تتوقف مباشرة عن تناول الحلويات!

حافظ صار يحكي بين جد ومزح وسأل الطبيب: يعني ما بيجوز آكل ولا حتى قطعة زغيرة؟ رد عليه الطبيب: يعني، خود قطعة بحدود 30 غرام، بشرط تاكلها الصبح مو المسا.

ولما تابع الدكتور المعاينة، سأله حافظ عن أهلُه وعيالُه، ومن خلال أجوبة الدكتور انتبه حافظ إنه زوجته ما إلها شغل، فرفع سماعة الهاتف وأعطى أمر بتعيينها براتب شهري ممتاز، وشرط إنها تقبض الراتب بدون ما تداوم.

انبسط الدكتور، وأبدى شكره وامتنانه لحافظ، وهون حافظ استغل الفرصة وقال للطبيب: شو رأيك بقى تسمح لي آكل شي ربع كيلو حلو كل يوم؟!

ضحك الحاضرون، وبالأخص الذين لم يسمعوا النكتة من قبل، وقال أبو محمد: بتعرف؟ أنا صرت متشوق لأعرف أيش صار مع هادا عبود العبود.

أبو المراديس: طيب. لكن بعد مقدمة زغيرة. في سورية، يا شباب، الشخص اللي بيكتب تقرير بواحد حكى نكتة مو شرط يكون غيور على حافظ الأسد، أو على مشاعره، ممكن يكون إله غاية شخصية مع الشخص اللي حكاها، فبيستغل الفرصة وبيليحه تقرير بيجيب أجله، أو ممكن يكون في شخص تالت موجود في المكان "خَطُّه كويس"..  ولذلك..

أم الجود: لحظة شوي. أشو يعني خطه كويس؟

أبو المراديس: السوريين، يا ست أم الجود، بسبب الخوف، بيستخدموا مصطلحات من هالنوع. مثلاً، لما بتدخل دورية التموين عالسوق أصحاب الدكاكين بيصيحوا "عباية"، وإذا كان مدير التموين شخصياً موجود مع الدورية بيصيحوا (بلدية)، لأنهم بيعتبروه وسخ ولازم ينكب في حاوية الزبالة التابعة للبلدية، والإنسان اللي بينسجن بيقولوا أخدوه على بيت خالته، واللي بيكتب تقارير منقول إنه "خَطُه كويس"، واللي بيغيب كتير بسبب الاعتقال لما بيطلع وبيسألوه (وين هالغيبة؟) بيقول والله كنت في سويسرا! يعني في سجن تدمر، وإذا كان في سجن صيدنايا بيقول كنت في صلنفة.. المهم اللي بيكتب تقرير ممكن يشوف في المجلس واحد خطه كويس، وبيخاف ما يكتب بحقه تقرير على إنه سمع النكتة الحقيرة وما بَلَّغ عنها، فبيسارع هوي لكتابة تقريره من مبدأ الكف لمن سطره.

كمال: بالمناسبة، على ذكر الكف لمن سطره، لما بيكون في إنسان عصبي ما بيتحمل أي غلاظة، وفوراً بيضرب، بيقولوا عنه (فلان إيدُه والضَرب)، ونحن لما تجي سيرة واحد كَتّيب تقارير شاطر منقول (فلان إيدُه والتقرير)!

أبو المراديس: المهم، بالنسبة للرجل المؤيد، بعدما حكى النكتة بشي يومين، كان راجع من السهرة بعد نص اللي، مبسوط ومكيّف، وماشي مع رفيقه وعم يحكوا ويضحكوا، وإذ بيسمع صوت خشن عم يعطيه إيعاز: قف. أوعى حدا يتحرك من أرضه!

ترافقت العملية مع صوت تلقيم عدد من البواريد الروسية والمسدسات، وظهر قدامه رجل لابس تياب مدنية، وواحد عسكري مصوب عليه وعلى رفيقه البارودة الكلاشنيكوف: ارفعوا إيديكم لفوق!

رفعوا إيديهم لفوق. وع السريع اقتربوا منهم بقية العناصر، وحطوا في إيديهم الكلبشات، وبوقتها تجرأ صاحبنا وسأل: ممكن أعرف أشو في؟

فقال له الرجل: لسه بدك تعرف؟ والله تَـ ما أخليك تعرف شرقك من غربك. لكان قلت لي السيد الرئيس بيحب الحلويات وما بيقدر يعيش بلاها دقيقة؟ ولاك هادا السيد الرئيس قندرته أحسن منك ومن أهلك. عم تفهم؟!

(للقصة تتمة)