آخر الأخبار :

بعث تحالف تفتيت اليمن

بشرى المقطري
بشرى المقطري
2020/10/05 الساعة 08:01 مساءً

حدّدت أولويات الدول المتدخلة في اليمن سياقات الحرب ومساراتها، بما في ذلك تفضيلاتها حيال وكلائها المحليين، بحيث من الصعب مغادرة تموضعاتها السياسية التي للأسف أضرّت بمصالح اليمنيين، بما في ذلك مصالح وكلائها، ومع احتكار العربية السعودية، قائدة التحالف العربي، إدارة الملف اليمني سياسياً وعسكرياً، مقابل تواطئها مع أجندات حليفها الإماراتي في جنوب اليمن، فإن تحمّلها العبء العسكري والإنساني المترتب على استطالة الحرب، وكذلك عجزها عن الدفاع عن مدينة مأرب في ضوء التهديد المستمر من مقاتلي جماعة الحوثي، إضافة إلى فشلها في تطبيع الأوضاع في جنوب اليمن، شكّل عامل ضغط على السعودية، بحيث لجأت أخيرا إلى تفعيل دور حليفها الإماراتي في اليمن، وذلك بعد عام من انسحابه العسكري، وفيما ترتبط الخطوة السعودية، من حيث توقيتها وأهدافها، بجملة من المتغيرات المحلية، كاشتداد القتال في جبهة مأرب، وكذلك المتغيرات الإقليمية كتطبيع حليفها مع إسرائيل، والمتغير الدولي المتمثل بنتائج الإنتخابات الأميركية المقبلة وانعكاسها على الحرب في اليمن، فإن عودة الدور العسكري الإماراتي في اليمن يحتكم، كالعادة، لمصالح الإمارات في المقام الأول، إلا أنه ينشئ تعقيدات إضافية في الساحة اليمنية، وذلك لأجندتها التخريبة في اليمن، والتي لا تختلف كثيراً عن أجندات الدول المتدخلة في اليمن، بما في ذلك السعودية، وكذلك موقفها العدائي من بعض القوى السياسية اليمنية، فضلاً عن تعارض مصالح الحليفين في اليمن.

فشلت السعودية، بوصفها قائدة للتحالف العربي، في تغيير خريطة الصراع في اليمن، بما في ذلك توحيد جبهة حلفائها المحليين مع اشتداد ضغط مقاتلي جماعة الحوثي على جبهات مأرب، معقل السلطة الشرعية، ما فرض تغيير آليات إدارتها التحالف، وكذلك إحياء الدور الإماراتي العسكري في اليمن، إذ أزاحت قائد العمليات المشتركة في اليمن، الأمير فهد بن تركي، وعينت الفريق مطلق الأزيمع خلفاً له، ومع ارتباط التغيير بالصراع داخل الأسرة السعودية الحاكمة على الملف اليمني، بما في ذلك كلفته المالية، فإنه يأتي في سياق محاولة السعودية هيكلة رأس الملف العسكري في اليمن، وإنْ كان من المبكّر معرفة نتائجه على جبهات القتال، بالإضافة إلى إزاحة قياداتٍ عسكريةٍ تابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح في الجبهة الحدودية، وذلك لإرضاء حليفها الإماراتي، رافقه إشراك حليفها في قيادة العمليات للتحالف، سواءً بتعيين اللواء صالح العامري، قائد القوات الإماراتية السابق، قائد أركان حرب العمليات العسكرية للتحالف، أو تفعيل قيادة التحالف، من خلال عقد لقاءات دورية مشتركة مع الإماراتيين، ضمّت نائب رئيس أركان القوات المسلحة الإماراتية، الفريق عيسى المزروعي، المسؤول عن إدارة جبهات مأرب في بداية الحرب، وذلك للإشراف على العمليات القتالية في المدينة، وفيما تحاول السعودية تعميق شراكة حليفها في إطار التحالف، وذلك لإنقاذ نفسها أولاً، وكذلك لترتيب وضعها في اليمن، استباقاً لنتائج الإنتخابات الأميركية التي قد تأتي بقيادة ديمقراطية أقل تعاوناً مع السعودية، فإن التناقضات السعودية - الإماراتية في اليمن قد تحبط جهود تقاربهما في الملف اليمني.

تحكم الخيارات السعودية في إدارة الملف اليمني، وكذلك علاقتها بوكلائها المحليين، أولوية حفاظها على أمنها القومي، بحيث تبنّت سياسة واقعية، سواءً مع خصومها الحوثيين، أو حلفائها المحليين، فمن جهةٍ، يظل تأمين حدودها الجنوبية ضد هجمات مقاتلي جماعة الحوثي، وكذلك حماية بُنيتها الحيوية من استهداف الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي يطلقها الحوثيون بشكل شبه يومي، هدفاً رئيساً لتدخلها العسكري في اليمن، وهو ما دفعها إلى اتخاذ استراتيجياتٍ متنوّعة لتقليم قوة جماعة الحوثي، وإجبارها على قبول تسوية سياسية، مقابل تأمين شريطها الحدودي. ومن جهةٍ أخرى، فإن السعودية التي تدير علاقتها بوكلائها المحليين من موقع الوصاية وضمان ولائهم أو على الأقل تحييد بعضهم حيال وجودها العسكري في اليمن، تدرك ضرورة انفتاحها على وكلائها. خلافاً للسعودية، فإن الإمارات، وإنْ غلفت تدخلها في اليمن بالدفاع عن السعودية من هجمات الحوثيين، فإنها حدّدت أولوياتها السياسية والعسكرية في تنمية مصالحها الاقتصادية في جنوب اليمن.، وبالطبع على حساب الجبهة الحدودية التي تجدها السعودية أهم جبهة قتالٍ بالنسبة لها. وفيما انحصر الوجود الإماراتي العسكري في العامين الأخيرين في المواقع الإقتصادية الحيوية في جنوب اليمن، بما في ذلك جزيرة سقطرى، فإن السعودية هي الأخرى كثفت وجودها في مناطق الثروات في الجنوب، إلى جانب مدينة المهرة، إلا أن قوتها العسكرية تركّزت في المناطق الحدودية للدفاع عن خطوطها الأمامية.

يشكّل تباين الموقفين، السعودي والإماراتي، حيال وكلائهما المحليين في اليمن نقطة خلاف جوهرية، انعكست على إدارتهما الحرب، الأمر الذي قد لا يغيّر التموضعات الإماراتية التقليدية في اليمن، في حال فعّلت دورها العسكري، إذ لا ترى الإمارات مستقبلها خارج حماية مصالحها في الجنوب، وكذلك دعم وكيلها المحلي، المجلس الانتقالي الجنوبي، بما في ذلك حزب المؤتمر الشعبي، جناح الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، في مقابل استهداف السلطة الشرعية بسبب سيطرة حزب الإصلاح على منظومتها السياسية والعسكرية، إلا أن السعودية، ومع شرعنتها أجندات حليفها في جنوب اليمن طوال الحرب، بما في ذلك تمكين المجلس الانتقالي من السلطة، فهي تقارب الملف اليمني بنظرةٍ أكثر شمولية، من خلال تنويع وكلائها في الساحة الجنوبية، ولذلك دعمت قوى جنوبية موالية لها مع المجلس الانتقالي. ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من تصدير السعودية زعامات يمنية، بوصف ذلك خيارا سياسيا لمرحلة ما بعد الرئيس عبد ربه منصور هادي، فإنها تحافظ على بقائه رمزية سياسية لتدخلها العسكري في اليمن، على عكس الإمارات التي ترى في الرئيس هادي مشكلة حقيقية وذراعا لخصمها حزب الإصلاح.

إلى ذلك، يشكل مستقبل حزب الإصلاح، سواءً داخل منظومة السلطة الشرعية أو كحزب سياسي فاعل في الساحة اليمنية، أهم نقطةٍ خلافيةٍ بين الحليفين، ففي حين تتبنّى الإمارات سياسة تقييد نشاط حزب الإصلاح وحضوره السياسي والعسكري في اليمن، فإن علاقة السعودية بالحزب أكثر تعقيداً، فمع مهاجمة صحفها قياداته وناشطيه، في سياق صراعها مع محور قطر- تركيا، وكذلك الضغط عليه سياسياً وعسكرياً في جبهات مأرب، واستنزافه في جبهات القتال مع الحوثيين، فإن السعودية تدرك أن القضاء على حزب الإصلاح ليس في صالحها، فبالإضافة إلى استثمارها في جناحه التقليدي الموالي لها الذي يمثل رأس حربةٍ في وجودها العسكري في اليمن، وفي تدخّلها التاريخي في الساحة اليمنية بشكل عام، فإنها تدرك ثقله السياسي والعسكري في اليمن، وكذلك اتساع قاعدته الاجتماعية، بحيث من الصعب إزاحته من المشهد اليمني، كما تعتمد على قياداته الموالية لها في ضخّ مقاتلين من المناطق اليمنية للدفاع عن جبهتها الحدودية، إذ يشكل هؤلاء عماد قواتها البرّية، بعد انسحاب معظم القوات السودانية من اليمن. ولذلك تكيف السعودية علاقتها بحزب الإصلاح وفق منطق المصالح المتبادلة، ومع تنميتها سياسة المحاور الإقليمية، إلى جانب الإمارات ومصر، لاستهداف محور- قطر تركيا، فإن السعودية تفصل بين الجناح الموالي لها والجناح الموالي لقطر-تركيا، فيما تحارب الإمارات حزب الإصلاح في اليمن كمنظومة سياسية واحدة، تحت لافتة عدائها الإخوان المسلمين. تمثّل سياسة التوازنات الإقليمية التي اعتمدتها الإمارات، لتحقيق مصالحها الإقليمية والدولية، عبئاً على حليفها السعودي في اليمن، ويشكل تطبيعها مع إسرائيل متغيراً جديداً في علاقتهما التحالفية. ومع أن السعودية لا تتبنّى خطابا ضد التطبيع كدول عربية عديدة، فإنها تتحاشى إقامة علاقة مع إسرائيل، حفاظاً على موقعها الديني. في المقابل، حصدت الإمارات، من خلال تطبيعها، تجذير شراكتها مع الولايات المتحدة في ملفّاتٍ عديدة، بما في ذلك ملف مكافحة الإرهاب في اليمن، وكذلك تنمية استثماراتها الإقتصادية، على حساب علاقة السعودية مع أميركا. كما أن تطبيع الإمارات، الدولة الثانية في التحالف، يجعل من التحالف غطاءً سياسيا لنفوذ لإسرائيل في اليمن، متى ما أرادت ذلك. ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من تسويق الإمارات تطبيعها مع إسرائيل بأنه يأتي في سياق توحيد الجبهة الإقليمية ضد إيران، فإن ذلك يعارض موقفها الواقعي من إيران، فبالإضافة إلى اعتمادها سياسة خفض التوتر مع ايران، لإبعاد احتمالات المواجهة العسكرية، وكذلك إقامة تفاهمات أمنية واقتصادية معها، فإنها خدمت مصالح إيران من خلال دعم وكلائها في اليمن، وذلك بنقل الصراع من صراعٍ ضد الحوثيين إلى الصراع مع الإخوان المسلمين، "حزب الإصلاح"، الأمر الذي فاقم الصراعات البينية في معسكر حلفاء السعودية، فيما تصنّف السعودية ايران عدوّا إقليميا ومنافسا على زعامة العالم الإسلامي، ومع عدائها جماعة الإخوان المسلمين والدول الإقليمية الراعية لها، وتقليم سلطة حزب الإصلاح في اليمن، فإنها ترى في تنامي قوة إيران الإقليمية خطرا على مصالحها الآنية. وإذا كانت السعودية على استعداد لتسوية مع الحوثيين في المستقبل، فإنها غير مستعدّة لخفض مستوى الصراع السياسي مع إيران، لأن ذلك يقضي على المشروعية السياسية التي تدّعيها لاستمرار حربها في اليمن. من بوابة التحالف العربي، دخلت الإمارات اليمن، ومارست عبثها السياسي، طوال سنوات الحرب، بما في ذلك إدارتها أجندات تمزيق الأرض اليمنية، في مقابل تقويضها سلطة الرئيس اليمني الذي تدخلت لإعادتها إلى السلطة. وإذا كان العبث الإماراتي في اليمن تم برضى السعودية التي، هي الأخرى، تحمي مصالحها من خلال رعاية وكلاء ينفذون أجنداتها، فإن تجديد التدخل العسكري الإماراتي في اليمن هو، في كل الحالات، تكريس لنهج الفوضى وتفتيت اليمن.