آخر الأخبار :

من ينفذ مشروع الشرق الأوسط الجديد؟

أحمد ماهر
أحمد ماهر
2020/10/05 الساعة 08:01 مساءً

قبل أكثر من 11 عاما حدثت عدة اختراقات إلكترونية من جهات أمنية لحسابات فيسبوك لأعضاء وقيادات في حركة 6 إبريل الشبابية المصرية التي كانت تسعى إلى الإصلاح السياسي والتغيير. وبعد ذلك، سرّبت الأجهزة الأمنية حوارات شخصية خاصة لبعض الشباب بشأن عدة قضايا، بعد تشويه المعنى، واجتزاء مقاطع من تلك الحوارات، ووضعها في سياق آخر، لإيصال معنى معين، يوحي بتعاون الحركة مع قوى دولية.  كان ذلك بعد سفر كوادر في "6 إبريل" عام 2009 إلى أوروبا والولايات المتحدة ضمن عشرات النشطاء والصحفيين من مختلف المشارب، بمن فيهم كوادر شابة من الحزب الوطني الديمقراطي، الحاكم وقتها. وكانت منظماتٌ حقوقية دوليةٌ أوروبية وأميركية منذ التسعينيات تنظم رحلات ودورات وورشا تدريبية للمجتمع المدني المصري، تشمل صحفيين وأعضاء في أحزاب معارضة مصرية وعربية وأعضاء في الحزب الحاكم أيضا، ومدرّبين وباحثين من جمعيات حقوقية وتنموية مصرية، وكذلك أكاديميين عديدين، بالإضافة إلى كوادر حكومية وقضاة وباحثين في برامج متخصصة، لكن اللافت للنظر أن الدنيا قامت ولم تقعد، عندما سافر فرد أو اثنان من "6 إبريل" التي تصنّف حركة معارضة، تسعى إلى التغيير السلمي للسلطة، أو إلى التحوّل الديمقراطي، على الرغم من أنها المواد العلمية نفسها، أو الدورات والمؤتمرات أو الورش التدريبية نفسها التي يشارك فيها المجتمع المدني المصري والعربي وقتها. أتذكّر أن العناصر الأمنية عام 2009 مرّرت عبارات مجتزأة ومقتطعة من سياقها من حوار شخصي لاثنين من الكوادر، عن صحة شائعات يروّجها الإعلام المصري التابع للجهات الأمنية، أن تلك الدورات التدريبية وتلك البرامج والورش المقدمة من المنظمات الدولية والهيئات والجمعيات الأوروبية والأميركية للمجتمع المدني المصري، هي جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير (أو الجديد) الذي يتحدّثون عنه، فمثلا تم اقتطاع حوار أحدهم إلى آخر في مراسلة شخصية، عندما سأل: هل تلك الدورات والورش التدريبية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان ومراقبة الأداء الحكومي ومراقبة الانتخابات، تعتبر فعلا ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لا يعادي إسرائيل كما يقولون؟

بعدها تم تمرير تلك الأجزاء المقتطعة إلى مجموعات محسوبة على المعارضة من المنتمين للتيار القومي الناصري، وأيضا للتيار الإسلامي وقتها، ليصبّوا اللعنات على رأس حركة 6 إبريل التي تساعد في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، عن طريق حضور ورش تدريبية من تنظيم منظمات أوروبية وأميركية أو هيئات دولية (كان لها مقارّ ومكاتب في مصر في ذلك الوقت)... استغربنا وقتها من ذلك الضجيج، وتلك الحملات العجيبة، وتلك العروق المنتفخة التي تتهمنا بالعمالة والخيانة وبيع القضية، لمجرّد حضور عدة دورات عن التجارب الديمقراطية أو مراقبة الانتخابات ورصد التزوير أو الشفافية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان. أتذكر تلك المراهقة التي مارسها بعض المعارضين المتعصبين، وذلك التخوين وتلك الخطب والمقالات التي شقّت الصفوف وقتها، وأبتسم، أين أصبح بعضهم اليوم، وما مواقفهم من التطبيع الحقيقي ومشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يتم تنفيذه على قدم وساق، بيد الحكام والحكومات، وليس بيد حركات اجتماعية واحتجاجية. سبحان مغير الأحوال، قيلت عن بعضهم الإتهامات نفسها عندما عارض النظام الحالي، أو عندما وقف ضد ما حدث في 3 يوليو/2013 (إطاحة القوات المسلحة الرئيس محمد مرسي)، وبعضهم، ويا للسخرية، أصبح من أبواق السلطة الحالية، يهلل ويصفق لقرارات التطبيع، على الرغم من قوميته وناصريته المزعومة، فالحكام الآن دائما على حق، حتى في التطبيع والتعاون مع العدو الصهيوني، أما الصياح والعويل واتهامات الخيانة فالأسهل والأكثر أمانا توجيهها لمعارضي السلطة.

يتورّط بعضهم، أحيانا، في مراهقة ومزايدات لحصد مكاسب سياسية، ويتأثر آخرون بدعاية وفزاعات حكومية أن الخارج شرٌّ مطلق، وأن السلطة في بلادنا وحدها من يعرف المصلحة العامة، ويحمينا من شرور الخارج. ومع تقدّم العمر، يتضح لكثيرين أن من يحقق تلك المخططات الصهيونية هم الحكام أنفسهم، وليس الشعوب أو الحركات الإجتماعية، كما أن الربيع العربي الذي يعاديه الحكام العرب كان سيحقق مطالب الشعوب بالوحدة والقوة، وليس تطلعات الحكام الذين يتعمّدون الخلط دوما بين مصالحهم الشخصية الضيقة ومصطلح الأمن القومي الواسع المطاط. وفي هذه الأيام، تهرول عدة دول عربية نحو التطبيع مع العدو الصهيوني، بحجة السلام والتنمية تارة، وبحجة الأمن القومي تارة، وبحجة مساعدة القضية الفلسطينية، ولكن لا يخفى على أحد أن التعاون الاقتصادي بين رجال أعمال في الخليج وإسرائيل قائم منذ سنوات، كما أن الخطر الإيراني يسرّع بالفعل من عملية التطبيع، طلبا للحماية الإسرائيلية. وفي الداخل الأميركي، يستعد ترامب الآن للانتخابات الرئاسية، يحاول التمسك بالسلطة، مثل حلفائه في الأنظمة السلطوية، يتذرّع ويستبق الأحداث باحتمالية التزوير في أثناء التصويت الإلكتروني، ويحاول جاهدا اختلاق أي إنجازٍ قبل انتهاء فترته، مثل السلام المزعوم بين العرب وإسرائيل.

تتحدّث كتابات كثيرة أن تلك الاتفاقات المعلنة أخيرا بين نتنياهو وحكام الإمارات والبحرين هي بالأمر المباشر، فترامب يحتاج لإنجاز تاريخي، يعزّز من وضعه قبل الإنتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بعد كثير من الجدل والإخفاقات، وتلك الاتفاقيات تجعله يظهر بمظهر الزعيم العالمي الذي يصنع السلام ويحقق المستحيل، وهو ما يضمن له أصوات اليمين واللوبي الصهيوني، كما أن المنفعة متبادلة مع دول الخليج، فرأس المال الخليجي، ورأس المال عموما، لا يلتفت كثيرا للمبادئ أو القضايا القومية أو ما يُطلق عليها الثوابت، أما سياسيا وأمنيا فأميركا وإسرائيل هما الحماية لدول الخليج من الخطر الإيراني الذي يزداد ويتسع. وكذلك تعتبر أميركا وإسرائيل هما الحماية من الانتقادات الموجهة للدول العربية بشكل عام، بخصوص ملف الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، فهذه الحماية ليست مجّانية، وهذا ما دفع دولا أخرى للمضي في التطبيع مع إسرائيل، مثل السودان التي يود حكامها العسكريون الحصول على شرعية دولية سريعة، وانفتاح جديد على العالم عبر البوابة الإسرائيلية. بعد الثورات العربية كنّا نحلم بوطن عربي جديد تتضامن وتتكامل فيه الشعوب العربية لتحقيق المصالح العربية الحقيقية، وليس مصالح الحكام، كنّا نحلم بشفافية وتداول للسلطة، ونظام اقتصادي عربي، وحرية أكثر للتنقل، وتكامل ثقافي، فقالوا إنها مؤامرة لتحقيق شرق أوسط جديد، أطلقوا عليه مصطلح "الربيع العبري" زورا وكذبا لتخويف الجماهير من الإصلاح والديمقراطية. إنه فعلا شرق أوسط جديد، ليس بمؤامرة غربية كما كان يروّج أنصار السلطوية والديكتاتورية، بل شرق أوسط جديد يحتوي إسرائيل ويتحالف معها، بتنفيذ الحكّام العرب الذين يعتبرون المصالح القومية للدولة وللأمة هي مصالحهم الشخصية الضيقة، ولا فارق بينهما، ويرهنون كل شيء، ويبيعون كل الثوابت والقضايا القديمة مقابل بقائهم على عروشهم، وضمان السيطرة إلى أطول مدى.