آخر الأخبار :

في رحيل حكومة الرزّاز

معن البياري
معن البياري
2020/10/05 الساعة 08:11 مساءً

لا تُخبرنا المصادر الذائعة أن أيا من الحكومات المائة في تاريخ الأردن، منذ نشأة الإمارة قبل نحو مائة عام، تحدّثت، في أثناء عملها، عن أخطاء وقعت فيها، على غير ما فعلت، مرّاتٍ، الحكومة الواحدة بعد المائة، والتي استقالت، أول من أمس، بموجب متطلّبٍ دستوري.

ولا يتذكّر الأردنيون أن رئيسا لأي حكومةٍ فعل كما الرئيس الـ 42، عمر الرزّاز، قال، في كتاب استقالة حكومته، "أصبنا أحيانا، وأخطأنا أحيانا، وصحّحنا مرارا". وإلى هذا وذاك، لا حكومة أردنية سابقة نالت من الإنتقاد والنقد والتجريح أرطالا وفيرةً كما التي لحقت بالحكومة التي تستعدّ للإنصراف، مع مقادير مهولةٍ من التجرّؤ والتعالم عليها، وغالبا بلغةٍ استسهلت استضعاف الرئيس، بقلّة التهذيب، وباستعراض بعضهم مواهبَهم في السخرية وابتذال الكلام كما اتفق. ولقائلٍ أن يقول إن هذا من تعبيرات الحرّيات العامة، ومن الإستحقاقات التي على العاملين في الشأن العام أن يتحمّلوها. ولمستزيدٍ أن يزيد فيقول إنه زمن "السوشيال ميديا" وهذه طبيعته.

ويُفترض أن يغتبط الواحدُ منا لو أن هذا صحيحٌ تماما، ففائض الحرية في لعن حكومةٍ محدّدةٍ باللغة التي مورست (غالبا وليس دائما) لم يستجدّ بمقاديره هذه، في الأردن، إلا في عامي عمر الرزّاز الذي أوحى كلامٌ كثيرٌ بشأنه أن المملكة كادت تصير في منزلة اليابان، صناعةً واقتصادا واكتفاءً، لولا قدومه رئيسا للوزراء، وأنها ما أن يُغادر ستُصبح كما ألمانيا.

وهذه دعواتٌ إلى "محاكمة" الرجل وحكومته ومقاضاتهما يستسهل بعضُهم رميَها في ملاعب "السوشيال ميديا" تدلّ على أن هذا كلامٌ لا يوحي بمصداقيةٍ فيه، وإنما بأن ثمّة مرجلةً في غير موضعها.

أما وأن الحكومة الراحلة تستحقّ النقد، والعنيف في بعض مواضِعه، فذلك ما لا يجوز الجدال فيه، ليس فقط لإخفاقاتها في تحقيق تطلعات قطاعاتٍ عريضةٍ من الجمهور العام، وإنما أيضا لأنها لم "تُبدع" تصوراتٍ وحلولا بشأن تحدّياتٍ اقتصاديةٍ مهولةٍ في البلاد، ولأنها لم تزاول ولايتها العامة كما ينبغي أن تكون، ولأن الذي بدر منها بشأن نقابة المعلمين ومجلسها وأعضاء فيها كان فادحا، وعُرفيا ولا مبرّر لحدّته، ودلّ على أن جهاتٍ في الدولة وصيّةٌ على قرارها، مع التسليم بأن ثمّة تجاوزاتٍ ارتكبها مجلس هذه النقابة، وأيضا لأن التعديلات الأربعة على الحكومة لم تكن مفهومةً، ولم تأتِ بوزراء على كفاءةٍ استثنائيةٍ تسوّغ قدومهم. وفي البال أن أولى المؤاخذات على حكومة الرزّاز كانت عند تشكيلها الأول، لمّا ضمّت 15 وزيرا من الحكومة السابقة التي أطاحها سخطٌ نقابيٌّ واجتماعيٌّ معلوم. وتعيين هذا وزيرا وعدم تعيين ذاك قصةٌ فيها قيلٌ وقالٌ كثيران في الأردن.

وربما بقّ البحصةَ رئيس الوزراء الأسبق، عبد الرؤوف الروابدة، لمّا قال إن الرئيس لا يمون إلا في تعيين خمسة أو ستة وزراء.  دوهمت الحكومة بجائحة كورونا، فارتبكت خططها، وكانت قد حقّقت نجاحا نسبيا في رفع مداخيل السياحة، وفي تحقيق استقرار نقدي ومالي كان معرّضا للإهتزاز، وفي تثبيت نسبة البطالة إلى حد ما، ورفع احتياطيّ العملات الأحنبية، وخفض العجز التجاري، إلا أن "الأولويات" اختلّت لاحقا بفعل ما أحدثه الفيروس الذي نجحت الدولة، بدايةً، في إجراءاتٍ شبه عسكرية، في تطويقه، قبل أن يتفشّى، تاليا، ثم يشيع الحديث عن تهديده المنظومة الصحية في البلاد، غير أن الحكومة، في الأثناء، أنجزت شيئا طيّبا في محاربة الفساد والفاسدين، وفي ملفّ التهرّب الضريبي. ولكن هذا كله لم يعن الكثير للمواطن الذي تفاقمت أعباء معيشته، وارتضت نخبٌ مثقفةٌ وإعلاميةٌ استسهال الكلام الشعبوي والمسترسل في  خفّته، بشأن الواقع وحقائقه العويصة. ولم يفتئت عمر الرزّاز على أحدٍ في استعراضه، في كتاب استقالته الذي رفعه إلى الملك، ما أدّته حكومته، وفي قوله إن نسبة إنجاز ما أرادته في سنة 2019 كانت نحو 90%.

أما ارتفاع منسوب عدم الثقة لدى المواطن الأردني بالأداء العام، وبالحال كله، فذلك طبيعي أمام الذي أحدثه الوباء، فيقول 73.3% من الأردنيين إنهم يرون الأمور تسير في الإتجاه الخطأ، بعد أن كانت الثقة بالحكومة كبيرةً في أول أسابيع كورونا. وفي البال أن تناقص الثقة بالرزّاز وحكومته ظل يطّرد، كما بيّنت استطلاعات مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية، بعد أن نظر إليه 69% قادرا على تحمّل المسؤولية، ثم صاروا 49% بعد أقل من عام.

وكان الرزّاز قد قال إنه ليس لدى حكومته عصا سحرية، وإنها متيقنةٌ من انخفاض سقف التوقعات بشأنها. وقال أيضا إنه سيهتدي بنظريةٍ لابن خلدون، ولكن هيهات، فثمّة إكراهاتُ الواقع ومفاجآتُه، وثمّة ناسٌ يتوسّلون متعةً زائدةً، وهم يتسلّون على حيطان "فيسبوك" في التشاطر على مثقفٍ ظلمه الموقع العام، لمّا وجد مساحاته الخاصة ضيقة، والسياسيَّ والأمنيَّ أقوى عليه ممّا افترض أو توقّع.