آخر الأخبار :

مطرب مهرجانات الدم

وائل قنديل
وائل قنديل
2020/10/05 الساعة 08:13 مساءً

ملخص الحالة في مصر الآن أن السلطة قرّرت إضافة التظاهرات إلى ترسانة أسلحتها ضد الشعب، فصرنا أمام وضعٍ لا مثيل له في تاريخ الطغيان السياسي، إذ قامت السلطة بالسطو على أهم أدوات الاحتجاج والنضال الشعبي، وبدأت استعمالها ضد الجماهير.

يوم الجمعة الماضي، الثاني من أكتوبر/ تشرين ثاني 2020، يمثل حدثًا فريدًا في التاريخ، إذ دعت السلطة إلى تظاهرات مناوئة للجماهير، وفعاليات معارضة للحراك الشعبي المتصاعد في الأرياف ضد سياسات النظام الاقتصادية والأمنية.

تابع العالم كيف تم ابتذال كل شيء في حاضر مصر وماضيها، مع استدعاء نظام عبد الفتاح السيسي فرق الطبل والرقص والغناء لحشد الجماهير لتظاهراتٍ صاخبةٍ في الشوارع، تعارض المعارضة وتعلن تأييدها للسلطة، وتمارس طقوسًا من عالم الوثنية السياسية، وهي تتمايل وتنحني وتركع، وتقوم تحت صور الجنرال الجالس في سدّة الحكم.

قالوا في تلك التظاهرات المقلوبة إن الشعب يحتفل بانتصارات السادس من أكتوبر في اليوم الثاني منه، غير أن أكتوبر لم يكن هناك، بل حضر السيسي، بصوره ولقطاته المصورة وأغنياته الراقصة المنتجة إماراتيًا، والتي لها مفعول المخدّر على الحشود المستدعاة ترهيبًا وترغيبًا.

مظاهر الرقص الهيستيري تحت صور الجنرال الحاكم تكاد تكون صورة تلفزيونية طبق الأصل مما يحدث في حفلات مطربي المهرجانات، هذا اللون من الغناء الذي يشبه جلسات التخدير بالموسيقى الهادرة والرقصات العنيفة، على كلماتٍ تفترس الأذن بمعانٍ لم يكن يتصوّر أشد المتشائمين أن تدخل عالم الفن.

في ذلك قلت سابقًا إن المسألة لا تتعلق بالفنون والغناء فحسب، بل كل شيء يمرّ بفترة "مهرجانية" من السياسة إلى الدين، مرورًا بالرياضة والإعلام، بحيث لا توجد فوارق جوهرية بين "أغنية المهرجان" وبين خطاب السيسي في حفلاته المتكرّرة، وخطاب رجل الدين الذي يحتقر العقل والنقل، معًا، وكذلك المضامين والمفاهيم التي تروّجها برامج التوك شو، وبمنهج مدروس وتخطيط مسبق، لا يختلف عن مهرجانات التنابذ الكروي التي يتعارك فيها رؤساء أندية ونقاد رياضيون.

وكما يحدث دائمًا، فإن أجواء هذا النوع من مهرجانات تغييب الوعي والضمير، تستثمر في التغطية على جرائم وقعت، وتمرير جرائم أخرى ستقع، فقبل الذهاب للرقص والطبل كانت جريمة اغتيال الشاب الجنوبي، عويس الراوي، برصاص ضابط الشرطة، لأن المقتول لم يطأطئ رأسه ويسكت وهو يرى الضابط يصفع والده العجوز على وجهه، فسالت دماؤه في صحن داره.

لا تختلف وقائع إعدام عويس الراوي بالرصاص عن ملابسات إعدام 17 مصريًا لم يسجدوا للطغيان، ولم يبتلعوا ألسنتهم وضمائرهم، وهم يرون مقتل أهلهم وأشقائهم في الوطن بمدافع الضابط الكبير التي حصدتهم بالمئات في الإعتصامات الرافضة لانقلابه العسكري.

الفرق بين عويس الراوي والسبع عشر مواطنًا مصريًا الذين تم الإعلان عن إعدامهم في ليلة واحدة أن إعدام الأول تطلب إقامة مهرجان قومي لتعاطي مخدّرات الوطنية المقزّزة، لصرف الناس عما جرى، أما إعدام السبع عشر إنسانًا فكان استثمارًا في مفعول المهرجان ذاته، والحجّة أن "شعب السلطة" هو الذي أراد وأمر بإعدام الإخوان.

تحيا مصر الآن تحت سحبٍ مشبعة بالدم، بينما العالم متواطئ على إنسانها، بالصمت أو غض الطرف، وباستثناء تصريح عابر من الخارجية الألمانية عن العنف ضد المتظاهرين، فإن الضمير العالمي يغطّ في صفاقته وانتهازيته التي تجعل عبد الفتاح السيسي يواصل تلك الفظاعات ضد الإنسانية، وهو ممتلئ باليقين بأن تصريحًا واحدًا يربط فيه بين الإسلام والإرهاب يضمن له صمتًا مطبوخًا على الطريقة الفرنسية، يروّجه "الشيف ماكرون"، المأزوم بالإسلام دائمًا وأبدًا.