آخر الأخبار :

’’رزقته معه‘‘

رشا عمران
رشا عمران
2020/10/10 الساعة 09:04 مساءً

قد تصحّ جملة "الكثرة تغلب القلة" على المجتعات القبلية، حيث كلما ازداد عدد أفراد القبيلة ازدادت قوتها وهيبتها لدى القبائل الأخرى، إذ إن فرص القبيلة كثيرة العدد في الغزو وردّه أكثر بكثير منها لدى القبائل الصغيرة. الزيادة في عدد أفراد القبيلة كانت تحمل قيمة إقتصادية، إذ كلما تكاثرت القبيلة وزاد عدد أفرادها زاد الغزو ومعه الإنتصارات، وكثرت الغنائم، وأصبحت القبيلة معها أكثر غنى، وبالتالي أكثر نفوذا وسلطة. الغنى في مجتمعاتنا سلطة، ولطالما كان هكذا، وهذا أمرٌ لا جدال فيه، وهذا كان يتحقّق عبر زيادة عدد أفراد القبيلة أو العائلة، عبر الإنجاب المستمر والدائم، عبر الزواج المتعدّد، وزواج الصغيرات، معتمدين في ذلك على العادات والتقاليد، وعلى التشريع الديني الذي كان مناسبا لنمط الحياة القبلية والزراعية، ومنظما لطريقة عيش تلك المجتمعات ما قبل المدنية والصناعية. 

هذه الثقافة التي تأصلت في اللاوعي البشري وقتا طويلا، لم تبدأ بالانحسار إلا مع ظهور المجتمعات المدنية التي نتجت من الثورات الصناعية المتلاحقة، ومع ظهور الدول والمجتمعات العلمانية التي استطاعت فصل الدين عن الدولة، ووضعته في أمكنته الطبيعية، الأديرة والمعابد والكاتدرائيات، بينما حياة المواطنين ويومياتهم شأن مدني بحت، لا علاقة للدين فيه، وهو ما جعل بعض الدول تسنّ قوانين لتحديد النسل، وبدأت بالتوعية الجنسية، نوع من الثقافة التي يجب أن يطّلع عليها الأطفال باكرا. ووفرت وسائل منع الحمل، وسهلت الحصول عليها للجميع.

هكذا استطاعت هذه المجتمعات أن تخفّف من تراكم الأمراض المجتمعية لديها، وتنشئ أجيالا معافاة، حاصلة على جميع حقوقها، في الطفولة والتعليم والثقافة وفرص العمل والتأمين الإجتماعي والصحي، وتأمين نهاية الخدمة، حيث يتساوى الجميع في هذه الحقوق التي تتكفل بتأمينها الدولة، بمؤسّساتها وقوانينها المدنية، لا القبلية ولا الدينية. وبعد أن أخذت المجتمعات الصناعية شكلها النهائي، أصدرت قوانين أخرى متعلقة بحق الإنجاب في الوقت والزمن اللذين يختارهما الأفراد الراغبون بذلك. ولكن كان هناك وعي جديد قد تشكل في تلك المجتمعات يتعلق بموضوع الإنجاب، إضافة إلى أن أي زيادة في عدد السكان لم تكن ستعيق حصول الجميع على حقوقهم! نجحت الدول المتقدّمة في تحقيق هذا التوازن لمجتمعاتها وأبنائها، لكنها فيما يخص باقي الدول، أو العالم الثالث، فإنها فعلت العكس تماما، إذ دعمت الأنظمة الديكتاتورية والفاشية المتحالفة مع المؤسسات الدينية التي لا يوجد أي مدلول لمعنى المواطنة لديها، ولا حقوق متساوية لأفراد شعوبها، لا في التعليم ولا في الطبابة، ولا في العمل، ولا في أي شيء، الدول التي تغيب التنمية الإقتصادية والثقافية عن كثير من فئات شعوبها لصالح الفقر والتخلف والجهل، وهي مقوّمات تحرّض الغرائز المستندة إلى غيبياتٍ وتقاليد قديمة لا تصلح لمجتمعاتٍ كهذه، وغريزة البقاء (الجنس) تحديدا هي الأكثر حضورا، حيث يرفض العقل الغيبي والمغيب فكرة تحديد النسل من منطق ديني (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)، وباعتبار المال غير متوفر، فالبنون هم الزينة الوحيدة التي يمكن التباهي بها. أما كيف ستربّي هذه الزينة، وفي أي ظرفٍ اقتصادي، وهل ستحصل على أدنى مقوّمات حقوقها في التعليم والصحة والتغذية، فهو أمر متروك للغيب (الولد بيجي ورزقته معه) و(اربطي جوزك بالخلفة). والأنظمة طبعا غير معنية بهذه الفئات وبحياتها، ولا بقيمتها الإنسانية. وهي ليست في حسبانها أصلا، إلا في استخدام ما هو في صالح الأنظمة، أما حياتهم أو موتهم، بأعداد كبيرة أو قليلة، فلا تشغل الأنظمة بالها بتفاهاتٍ كهذه.

وطبيعيٌّ أن الحروب تستفز إرادة الحياة، والفقر أيضا. في تقرير لمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، صدر أخيرا، هناك ما يقارب ثلاثة ملايين طفل سوري محرومون من حق التعليم، يعيشون في المخيمات التي ولدوا فيها. يمكن تفهم الظروف التي أدّت إلى إنجاب هذا العدد الهائل من الأطفال في ظروف معيشية غير آدمية. ويجب تحميل المسؤولية لمن أوصل الحال إلى ما هو عليه، ولكن أيضا يجب التنبيه، وبشكل دائم، بشأن ضرورة إيجاد الحلول لوقف هذا الإنفجار في الزيادة الإنجابية، إذ لا مستقبل لهؤلاء سوى العيش في أدنى مستويات الحياة، وأن يكونوا وقودا لحروبٍ مستمرّة، تجرّب بها كل أنواع الأسلحة، وربما الأوبئة. 

الآن .. أليس من الأجدى التفكير بحلول تستخدم العقل، لا العاطفة والإستعراض الثوري، بدلا من شتم وتشويه سمعة من يعترض على الزيادة المخيفة في عدد سكان اللاجئين.