آخر الأخبار :

على هدير البوسطة

سما حسن
سما حسن
2020/10/14 الساعة 06:58 مساءً

علينا أن نبتعد عن التفكير التقليدي والتوقُّعات المعتادة، ونحن نقرأ عنوان هذه المقالة، فلن يكون الحديث عن ساعي البريد مثلًا (البوسطجي)؛ فلا داعي لاستدعاء الذكريات معه، ويكفي أنه كان نذير شؤم على شابَّة صغيرة، حيث فقدت حياتها، حين كان مولعًا بالتجسُّس على رسائل الناس، في أثناء توزيعه الرسائل، في قصة يحيى حقي "البوسطجي". ولا داعي لتذكُّر الصورة النمطية للرسائل القديمة، بأظْرُفها المطرَّزةِ الحوافّ، باللون الأزرق، فللحديث هذه المرَّة مناسبته، حيث قام عمَّال البريد وموظفوه، حول العالم، بأعمال بطولية، في توزيع الطرود والأوراق الهامَّة وإيصالها، وكذلك الأدوية المنقِذة للحياة، ومُعَدَّات الحماية في الوقت المحدَّد، في البقاع النائية. والأماكن خطرة في ظل جائحة كورونا، وفقد كثيرون منهم حياتهم في ظروف مأساوية، وواجه عمال البريد وموظفوه في العالم أضرارًا غيَّرت حياتهم، وأثَّرت في صحَّتهم. وعانى كثيرون، بطرق أخرى عديدة، في أثناء عملهم في مناطق تفشِّي الوباء؛ ما استدعى أن يوجَّه لهم الشكر والثناء، خصوصًا في اليوم العالمي للبريد، والذي صادف التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول.

ولو وضعنا احتمالًا ضئيلًا؛ بأنهم كانوا يوزِّعون بعض الرسائل الورقية، فالرسائل المقروءة باتت قليلة، وغزت الرسائل الإلكترونية حياتنا، وأفقدتنا شغف الإنتظار، ورجفة أيدينا، وهي تفضُّ الظرف الأزرق، في لهفةٍ بحثًا عن كلمات الشوق والمحبة الصادقة. ولو لم تكن تلك الرسائل هامَّة للتواصل بين البشر، لما أطلق عليها اسم "البريد"، وتعني البُرْدة، وسمِّيت كذلك في عهد الخليفة معاوية، حيث اتَّخذ، كما يقال، رجالًا لنقل الرسائل، يرتدون بردة بلون مخصَّص، تميِّزهم عن غيرهم، والبردة تستر الجسد، كما تستر الرسائل المغلقة أسرار أصحابها وخصوصياتهم.

لم يبقَ شيء على ما هو عليه، ولكن الاحتفال باليوم العالمي للبريد ظلّ كلَّ عام، والذي جرى تخصيصه، في مؤتمر الاتحاد البريدي العالمي في طوكيو عام 1969، بمناسبة ذكرى تأسيس الاتحاد البريدي العالمي، في العاصمة السويسرية برن عام 1874، وربما قلَّ هُواة جمع الطوابع البريدية، وقلَّت هواية تبادلها والمتاجرة بها، ولنا أن نتخيَّل ما الذي حلَّ بدلًا منها، في ظلِّ الثورة الإلكترونية للرسائل التي تصل في طرفة عين؟

في البريد المحمول الذي ينتظره كثيرون، هناك مفاجآت وغرائب كثيرة، فأمزجة البشر مختلفة، وحرصهم على نقل الأشياء الغريبة واستلامها يفاجئ عمَّال البريد وموظَّفيه، فإن كانت الرسائل التقليدية قد قاربت على الاختفاء، فلا يزال ذوق الناس يتغيَّر ويتبدَّل. وقد عُنِي أهل "نجد" قديمًا، مثلًا، بالبريد المتبادَل بين الناس؛ فأطلقوا عليه اسم "الوصل"؛ لأنه وسيلة اتصال، وهو إرسالية تحمل هدايا، من قماش أو حلوى، أو ما قد يحتاجه أهل المُرْسِل من غريبهم البعيد. وأذكر أنَّ مغتربًا في الولايات المتحدة الأميركية تسلَّم شحنة كبيرة مغلَّفة في صناديق خشبية، عن طريق الخطأ، وأُجبِر على وضع توقيعه على أوراق استلامها، وحين فتحها اكتشف أنَّ صديقًا قد أرسلها إلى صديقه، وهي تحوي نوعًا معيَّنًا من الدقيق المخصَّص للمصابين بالحساسية، وغير المتوفِّر في منطقته، وقد تجشم الصديق تكلفة شَحْن هذه الكمية الكبيرة؛ ليؤمِّن قُوت صديقه، وأنَّ خطأً صغيرًا في رقم أوصلها إلى هذا الشخص العربي الذي يأكل الأخضر واليابس بالطبع.

ولأنَّ فلسطين متميَّزة في كلِّ شيء، عن باقي بلاد العالم، فلا يمثل صوت العربة التي يطلق عليها اسم "البوسطة" اللهفة والحنين، والتي استخدمت لنقل الأشخاص والرسائل بسرعة فائقة، وبحرصٍ كبيرٍ على حمولتها، فاسم البوسطة لا يزال يرمز إلى العربة التي تجسِّد معاناة الأسرى الفلسطينيين، فهدير عربة البوسطة لشاحنة النقل الإسرائيلية يختلف كثيرًا عن هدير عربة بوسطة فيروز، فقد وُجدت لتعذيب الأسرى، وتوصف بأنها قبور متنقِّلة أكثر من كونها وسيلة نقل، عُدِّلت لتصبح مقسَّمة إلى ثلاثة أقسام. اثنان منها على شكل زنازين، لها أبواب داخلية مصفَّحة. والثالث، وهو النِّصْف الأماميُّ من الحافلة، مُحكَم الإغلاق، وكلُّها سيِّئة التهوية، مِيزتُها الوحيدة أنها تحمل أبطالًا.