آخر الأخبار :

العراق أمام خياراتٍ أحلاها مرّ

عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون
2020/10/28 الساعة 08:02 مساءً

أثارت تغريدة أطلقها السياسي العراقي، عزت الشابندر، على "تويتر" عن خيارات قد يواجهها العراق قريبا جدلا كثيرا على مواقع التواصل. وقد عرف الشابندر بقربه من مراكز القرار، بحكم انتقالاته الزئبقية بين الكتل السياسية. وضع العراقيين أمام ثلاثة خيارات أحلاها مر: التجويع والتطبيع والتقسيم، أتبعها بسؤال من بيدهم القرار: "ماذا أعددتم لمواجهة هذه التحدّيات القادمة حكما"؟ 

لم تأت خيارات الشابندر بجديد، فهي ماثلة في أذهان السياسيين والمواطنين العاديين على حد سواء منذ أكثر من عقدين، لكن إطلاقها في الظروف الراهنة يكشف أن هناك سعيا محموما إلى إرساء وضع هجين للعراق، يقتل أية إمكانية لاستعادة دوره الإقليمي المفقود الذي كان عليه، قبل أن تطيحه جائحة الاحتلال الأميركي، ومن ثم الهيمنة الإيرانية، وذلك عبر سلسلة من الإغراءات والضغوط والإملاءات الشريرة.

ما يجري في الساحة الإقليمية من تحرّكات يفضح ما هو مستور، ويؤسّس لمرحلة جديدة، لنقل إنها مرحلة "ما بعد فيروس كورونا"، أو ربما بالتزامن معها، خصوصا وقد قيل لنا إن هذا الفيروس اللعين قد يستوطن عندنا كما استوطنت قبله فيروسات من نوع آخر أشدّ فتكا، أقلها أنها قتلت طيلة سبعة عشر عاما أضعاف ما قتل، ودمرت بنى وشواهد، وأشاعت الدمار والخراب في كل مرفق وناحية.

هنا يرصد المرء غليانا يستدعي تفكيرا وتأملا كثيريْن، ويتناغم مع تغريدة الشابندر المثيرة، ويتوافق معها. بعض هذا الغليان كشفت عنه سفرات رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى أكثر من عاصمة، بخاصة العواصم التي تمتلك حصة في تقرير مصير العراق ومستقبله، فما إن قفل راجعا من واشنطن التي قيل إنها أبلغته بلزوم إجراء تغييرات في بلاده تطاول بنى وهياكل، ومنظومات وشخصيات أيضا تنظر إليها واشنطن مصدر خطر واستفزاز وضرر قد يحيق بمصالحها الاستراتيجية في الإقليم، بحكم ولاء تلك المنظومات والشخصيات لطهران، حتى اجتمع بقادة عرب، وعرض عليهم خطة توحيد وتكامل، أثارت علامات استفهام عديدة، ولم تجد من يتبناها معه، ومن ثم عاد ليطوف بين عواصم القارة العجوز، مراهنا على أحلامها باستعادة شبابها الراحل، وتجديد نفوذٍ بائدٍ كان لها يوما، وقد حصل منها على تطمينات ووعود، لكنها لم تعطه شيكا على بياض، إنما أبلغته أنها ستراقب أداءه، وسوف تحكم بعد ذلك.

كل هذه الوقائع خيبت آمال الكاظمي الذي كان يطمع في مكاسب عاجلة، تسهل عمل حكومته في الداخل، بعد أن أحاط به خصومه الذين أحكموا الطوق من حوله، وأخذوا يتحيّنون الفرص للإيقاع به، وإزاحته عن طريقهم، وقد ينجحون في ذلك، خصوصا وأن آمال العراقيين فيه قد خابت، بعد تردّده في الاستجابة لمطالبهم المشروعة، وإصراره على مسك العصا من الوسط، والمراهنة على الزمن، لعل "غودو" يجيء فينقذه من ورطته. وهذا هو ما أفصح عنه نفسه في إشارته إلى أنه يسير على حبل مشدود، لكنه مطالب أن يركب على دراجة على الحبل، كي يصل إلى نهاية الشوط، معلنا بصراحة أنه يرقص يوميا مع الثعابين، في الوقت الذي يبحث فيه عن مزمار للسيطرة عليها. وفي هذه "التورية" الذكية، يلمح الكاظمي إلى حصيلة طوافه على عواصم العالم التي يقال إنها أعطته مدة اختبار إضافية، ولكن محدودة، كي ترى ما يمكنه فعله على الأرض، لكنه، على ما يبدو، ما يزال يبحث عن مزمار بالمواصفات التي يريدها!

وحيث لا دخان من غير نار، دعونا نضع عيوننا على مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث يريدون أن يرسموا لنا هناك خريطة جديدة، تعتمد على رؤية وصفتها صاحبتها، ممثلة المنظمة في بغداد، جينين هينيس بلاسخارت، تهوينا من تأثيرها علينا بأنها "رؤية شخصية"، استخلصتها من عملها في العراق سنتين، مفاد هذه الرؤية التي هي قيد التداول "لا خيار للعراق غير التقسيم، باعتباره الحل الوحيد الذي يضمن تصفية المشكلات والنزاعات الماثلة بين أبنائه"، وحيث إن بلاسخارت نفسها أكدت "أن الأمر في النهاية يعود للعراقيين"، فليس أمامهم إذن سوى التمسك بثورة تشرين، والمحافظة على براءتها الأولى، وحمايتها من السقوط بين أفواه الأفاعي، كي تستطيع مواجهة كل هذه التحدّيات، وإلا فإن الأثافي السوداء الثلاث، التجويع والتطبيع والتقسيم، قادمة إلينا لتقصم ظهورنا ربما إلى الأبد.