آخر الأخبار :

عن الوجه الآخر لماكرون

خليل العناني
خليل العناني
2020/11/01 الساعة 03:58 صباحاً

بعيداً عن الحماقة والعجرفة وسوء الأدب الذي يتعامل به الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع مسألة الإسلام، والتي لا تخلو من خليط فاقع من الجهل الديني والغرور الثقافي والانتهازية السياسية، للرجل وجه آخر لا يقل سوءاً ووضاعة عن الذي عرفه من خلاله المتظاهرون في أرجاء العالم العربي والإسلامي الذين احتجوا، ولا يزالون، على إعادة نشر الرسوم المسيئة لرسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. وهو وجه "سمسار الحروب"، والمرتزق الذي يعمل لصالح الأنظمة السلطوية العربية، خصوصا في مصر والإمارات والسعودية، فماكرون الذي ينتمي لعالم المال والأعمال والسمسرة يقايض نفوذ بلاده على الساحة الدولية بصفقات أسلحة ودعم استخباراتي ودبلوماسي لأكثر الأنظمة عنفاً واستبداداً. وهو وجهٌ لا يختلف كثيرا عن وجه سمسار ومرتزَق آخر، كان له دور مهم في تدمير المنطقة العربية وتخريبها، هو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، الذي عرفنا أنه كان يعمل، ولا يزال، مستشارا لأكثر الأنظمة السياسية دموية واستبداداً في ليبيا والإمارات وكازاخستان. الفارق بينهما أن بلير، وعلى عكس ماكرون، لا يخفي وضاعته في دعم تلك الأنظمة باعتبارها "بيزنس" ضمن وظيفته الاستشارية، بينما يتخفّى ماكرون خلف إرث ثقافي غابر لبلاده يكاد أن يندثر.

منذ صعوده المفاجئ للسلطة قبل حوالي ستة أعوام، على خلفية الخوف من اليمين المتطرّف بقيادة غريمته، مارين لوبان، راهن ماكرون على التحالف مع الأنظمة السلطوية العربية، على حساب شعوبها وتطلعاتها للحرية والديمقراطية. كما استثمر في الحروب المشتعلة في المنطقة، خصوصا التي تشنها الأصوليات السلطوية العربية، سواء خارج حدودها كما مع الإمارات والسعودية في اليمن وليبيا، أو ضد مواطنيها كما في مصر وسورية. وهو لا يختلف كثيراً عن دونالد ترامب إلا في المظهر والدرجة، فكلاهما ينتمي إلى عالم البيزنس والصفقات، ويعتقدان في المذهب النيوليبرالي الذي لا يعبأ إلا بتراكم رأس المال، من دون التمسّك بأية قيود أخلاقية. كلا الرجليْن يتعامل مع السلطويين العرب، خصوصا الخليجيين، باعتبارهم "دجاجة تبيض ذهباً". ولذلك لا يمانع في دعمهم سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً، فحسب التقرير السنوي لوزارة الجيوش والبرلمان، حققت صادرات فرنسا من السلاح قفزة نوعية عام 2018 لم تحدث خلال عقدين، وذلك بنسبة مبيعات وصلت إلى حوالي تسعة مليارات يورو، معظمها إلى منطقة الشرق الأوسط. وقد جاءت فرنسا في الترتيب الثالث، بعد الولايات المتحدة وروسيا، كأكبر مصدّري السلاح في العالم خلال العام. وقد احتلت السعودية المرتبة الثانية، بعد الهند، في واردات السلاح من فرنسا خلال الفترة 2009 - 2018 (مع صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان) وذلك بحجم مشتريات حوالي 11 مليار دولار. واحتلت قطر المرتبة الثالثة بمشتريات بلغت حوالي 11.3 مليار يورو، وجاءت مصر في المرتبة الرابعة بمشتريات بلغت حوالي 7.5 مليارات يورو خلال الفترة نفسها.

ناهيك عن الدعم العسكري والدبلوماسي الذي يقدمه ماكرون لأمير الحرب في ليبيا، اللواء متقاعد خليفة حفتر، حيث تشير تقارير صحافية إلى وجود دعم لوجيستي وعسكري واستخباراتي قدّمته حكومته لحفتر، خصوصا في أثناء محاولة الأخير السيطرة على العاصمة طرابلس. كما يشير بعضهم إلى دور الخبراء الفرنسيين في توفير معلومات استخباراتية وصور فوتوغرافية دقيقة لمعسكر حفتر، بما يسمح له بمراقبة قوات حكومة الوفاق، وإنشاء مقر للعمليات الميدانية، وتدريب عناصر حفتر في كيفية التحكّم في الطائرات المسيّرة المقدمة من الإمارات، بل ومشاركة قنّاصتها في المعارك ضد قوات حكومة الوفاق المعترف بها دولياً. وقد اتضح هذا الأمر مصادفة عند احتجاز تونس ضباط استخبارات فرنسيين في إبريل/نيسان 2019، كانوا يحاولون التسلل إلى ليبيا عبر الحدود التونسية. وفي فبراير/شباط من العام الجاري، كشف موقع الرادار العسكري الإيطالي Ita mil Radar (متخصص في متابعة حركة الملاحة الجوية العسكرية وأعمال التجسس والاستطلاع) خرق طائرة تزود بالوقود (من طراز بوينغ C-135FR) تابعة لسلاح الجو الفرنسي، الأجواء الليبية.

ما سبق غيضٌ من فيض، فالسجلّ السيئ لفرنسا، تحت قيادة ماكرون، يكشف عن وجهه الثاني الذي يحاول مداراته بالحديث المتهافت والمستهلك عن "قيم الجمهورية الفرنسية". ولا يجب أن نستبعد أن يكون ماكرون قد حصل على أموال وعمولات من دول، كالإمارات والسعودية، مكافأة له على دعمه السياسي والدبلوماسي لهم، خصوصا في المواجهة مع تيارات الإسلام السياسي، فقد كشف ماكرون، في أكثر من تصريح له، عن رفضه هذه التيارات بكل ألوانها وأشكالها من دون تمييز. وهو موقف يتناغم، إلى حد بعيد، مع مواقف السلطويين العرب الذين يشنّون، منذ انقلاب السيسي في مصر عام 2013، حرباً ضروساً على الإسلاميين في كل أنحاء العالم. ولن نستغرب كثيراً إذا ما تمّت مقاضاته بعد الخروج من السلطة، على وقائع فساد مالي، على غرار ما حدث قبل أسابيع مع سلفه نيكولا ساركوزي الذي تم تحويله إلى المحكمة بسبب وقائع فساد واستغلال نفوذ والحصول على تمويل لحملته الانتخابية، خصوصا من ليبيا عام 2007. وحقيقة الأمر، لا يختلف ماكرون كثيراً عن وكلائه من السلطويين العرب، في خداعهم وكذبهم، سوى أنه بعيون زرقاء، ويرتدي بزّة أنيقة.