آخر الأخبار :

المشهد الفرنسي في تونس

سمير حمدي
سمير حمدي
2020/11/06 الساعة 02:55 صباحاً

تحدّث الرئيس الفرنسي، ماكرون، يوم 8 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الثاني) في خطابه الذي مثّل إشارة انطلاق الأزمة أخيرا في فرنسا عمّا سمّاها أزمة الإسلام، غير انّه لم يفوّت الفرصة ليتحدّث عن تونس بوصفها نموذجا للازمة، وقال إن وضعية الإسلام في تونس "كانت أفضل قبل 30 سنة"، وأنّ "نظرة التونسيين إلى الإسلام وطرق فهمه وتطبيقه كانت قبل 30 سنة مغايرة جذريا لما هي عليه اليوم، على الرغم من أن التونسيين يُعتبرون شعبا مثقفا ومتعلما".

لم يكن هذا التصريح عرضيا، وإنما يكشف عن طبيعة الرؤية الفرنسية للوضع الحالي في تونس، والقلق الفرنسي الرسمي من الانتقال الديمقراطي التونسي، لأن تفكيك خطاب ماكرون، وتحديدا ما تعلّق منه بتونس يكشف جملةً من المغالطات، أولها أن تونس، قبل ثلاثين سنة، وخلافا لما يتصوره ماكرون، كانت تشهد مدّا أصوليا عارما وصعودا للقوى الإسلامية في المجتمع، لا نجده اليوم، بل وقد لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن التيارات الإسلامية في تونس قد تراجعت، في ظل المشهد الديمقراطي الحالي، على الأقل من خلال مؤشرين واضحين، أولهما أن قوى الإسلام السياسي أصبحت جزءا من اللعبة الديمقراطية، وتخلت عن خطاباتها الشمولية، وعن دعواتها إلى أسلمة المجتمع. ومن ناحية أخرى، أصبحت هذه الأحزاب أقرب إلى النموذج الديمقراطي المسيحي منها إلى الحركات الإسلامية بصيغتها التقليدية (على الأقل في ما يتعلق بحركة النهضة). أما إذا كان ماكرون يقصد الإسلام المجتمعي في تونس، فإن الوقائع تكذّب فكرته عن تغيّر رؤية التونسيين إلى الإسلام، فحالة الانفتاح الفكري والثقافي التونسي ما زالت هي ذاتها، ولا يمكن تعميم الحكم على المجتمع بالتطرّف، لمجرّد ظهور أعداد من المنتمين إلى جماعات العنف الديني في الخارج، وهم في الواقع نتاج مرحلة القمع والاستبداد التي عاشتها تونس، وهو أمر كشفت عنه دراسات علمية، مثل المؤشّر العربي (2019/ 2020) الذي يجريه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وقد كشف عن حالة من التراجع القوي للتعاطف مع التنظيمات المتطرّفة لدى الرأي العام التونسي.

الحقيقة أن النظام الرسمي الفرنسي لا يخفي رغبته في التعامل مع أنظمة استبدادية قوية، تحكم بيد من حديد، وتحقق للشريك الفرنسي جملة من الفوائد، أولها ضمان المصالح الفرنسية في مقابل منح الشرعية للحاكم، كما كان يحصل زمن زين العابدين بن علي. والأمر الثاني ضبط حركة الهجرة بين ضفتي المتوسط، وهو أمر يقلق فرنسا التي ترى في تدفق المهاجرين تهديدا لبنيتها الثقافية والسياسية إلى الحد الذي دفع وزيرا فرنسيا إلى الحديث عن وجود أجنحة مخصصة لمنتجات الحلال في المحلات التجارية الفرنسية.

الرأي العام التونسي لم يكن ينتظر تحفيزا من الأحزاب، ليتخذ مواقف معادية للتوجهات الفرنسية

كانت الأحداث المتسارعة، بداية من تصريحات ماكرون، ومرورا بحوادث القتل في فرنسا، ووصولا إلى دعوات مقاطعة البضائع الفرنسية، موضوع جدل في الشارع التونسي، وسجلت حضورها في أجهزة الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تجلت من جديد ملامح الصراع بين الأقلية الفرانكفونية في تونس وبين الجمهور العام، فالأحزاب والجمعيات ذات التوجهات الفرانكفونية لم تفوّت الفرصة لاستغلال ما جرى في فرنسا من أحداث إرهابية، تم نسبة أحدها إلى مواطن تونسي، من أجل التعبير عن تأييدها الخط الفرنسي المتشدد ضد مظاهر التدين الإسلامي، بل ولجأت إلى المبالغة في جلد الهوية العربية الإسلامية، واستغلال الفرصة لتصفية الحساب السياسي مع القوى المحسوبة على التوجهات الدينية. في المقابل، أحدث تأكيد ماكرون تأييده نشر الصور المسيئة لرسول الإسلام، ثم النشر الواسع لتلك الصور في فرنسا، بما اعتبره بعضهم تعبيرا عن توجهات رسمية معادية للعقيدة الإسلامية، حالة من الغضب العام في الشارع التونسي، تجلى على مواقع التواصل الاجتماعي ودعوات مقاطعة البضائع الفرنسية. وعلى الرغم من الصمت التام لدى الأحزاب التونسية التي اكتفى بعضها بإدانة جرائم الإرهاب في فرنسا، من دون الإشارة إلى مسألة الإساءة للمشاعر الدينية للمسلمين، فإن الرأي العام التونسي لم يكن ينتظر تحفيزا من الأحزاب، ليتخذ مواقف معادية للتوجهات الفرنسية. في المقابل، ظلت القنوات الرسمية التونسية حريصةً على التناغم مع المواقف الفرنسية، وهو ما تجلى في بيان الخارجية التونسية التي دانت الإرهاب الذي ضرب فرنسا، وهو موقف الرئاسة التونسية التي تجنبت الحديث عن خطابات ماكرون المستفزة، حتى بمجرد الإشارة غير المباشرة.

وتظل الأحداث التي تجري في فرنسا بتعقيداتها تلقي بظلالها دائما على المشهد التونسي، بحكم ثقل التاريخ الذي صنعه الاحتلال الفرنسي لتونس، وضغوط الجغرافيا بسبب تعقيدات العلاقة بين ضفتي المتوسط، وبسبب ميراث سياسي من التبعية والولاء لفرنسا لدى جزء مهم من الطبقة السياسية النافذة في تونس.