ترامب ظاهرة خطيرة

بشير البكر
بشير البكر
2020/11/14 الساعة 02:39 صباحاً

يستسهل كثيرون تصنيف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنه رجل أعمال يعمل في السياسة. وبذلك يضعونه في قالب جاهز، ويحكمون على كل أفعاله ومواقفه وسياساته من هذه الزاوية فحسب. وانجرّ هذا الكسل على فهم استراتيجة ترامب الذي لا يمكن اختصاره إلى تاجر تعامل مع السياسة بمنطق الصفقات. صحيحٌ أن المال أحد محدّدات مواقفه، وهذا طبيعي من شخص أمضى حياته في هذا الميدان، إلا أن كل مواقفه خاضعة لحساباتٍ سياسية، خصوصا حين يتعلق الأمر بالداخل الأميركي. وعليه، ليست الانعزالية عند ترامب نزوة أو موقفا سياسيا انتخابيا، بل هي إيديولوجيا، وهذا يفسر اختياره فريق عملٍ يتكون من مجموعة من الإيديولوجيين المتعصبين، في مقدمتهم نائبه مايكل بنس، الذي يقدم نفسه مسيحيا محافظا أولا، ومن ثم عضوا في الحزب الجمهوري، وهو يجسّد رؤية للدولة تذهب بعيدا في العنصرية والتعصّب والرجعية، حين يتعلق الأمر بشعار "أميركا أولا" الذي رفعه ترامب في مطلع ولايته. وهنا يمكن أن يفهم المرء سبب معارضة إدخال إصلاحات على جهازي الشرطة والقضاء. وينسحب هذا على الموقف من أنظمة الصحة والإجهاض والمثليين والأقليات، ويذهب حتى إلى العلاقة الخاصة مع إسرائيل التي يعتبرها بنس تجسيدا للنبوءة التوراتية، وضرورة لا محيد عنها في "الأيام الأخيرة" التي تسبق العودة الثانية للسيد المسيح واعتناق اليهود المسيحية (اليوم وكل يوم تقف دولة إسرائيل اليهودية وشعبها اليهودي شاهدا حيا على الإيمان الربّاني).

الانعزالية والعنصرية هما مرضا إدارة ترامب. ولم يسبق، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن بلغ الانقسام العرقي ما وصل إليه عشية الانتخابات الأميركية. وحين يتحدث الرئيس الأميركي عن أميركا العظيمة، فإن العالم يفهم من ذلك أنه يقصد أميركا البيضاء. ولم تبق عدوى ترامب العنصرية داخل حدود الولايات المتحدة، بل انسحبت إلى أجزاء أخرى من العالم، إلى بريطانيا، وفرنسا، والبرازيل وحتى الهند، فالاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) تم في بداية عهد ترامب، وما كان له أن ينجح لولا جرعة الدعم التي قدّمها الرئيس الأميركي للانعزاليين البريطانيين الذين استقبلهم في البيت الأبيض، ويتقدّم هؤلاء زعيم حزب الاستقلال، نايجل فاراج. ومعروفٌ أن مستشار ترامب الأسبق ومنظره الأيديولوجي (مسؤول الاستراتيجية)، ستيف بانون، كان الرأس الذي تولى التنسيق بين الأحزاب العنصرية الأوروبية، واختار بروكسيل مقر المفوضية الأوروبية مركزا لإنشاء حركة شعبوية لإطلاق ثورة شعبوية في أوروبا، وكان غرضه تفكيك المشروع الأوروبي. وللغرابة، تبيّن لاحقا أن هذا المستشار الكبير الذي صال وجال في البيت الأبيض، قبل أن يطرده ترامب عام 2017، نصّاب.

يجب الاعتراف بأن ترامب يمثل ظاهرة عنصرية خطيرة ذات بعد دولي، إلا أنه لحسن الحظ أن السبعين مليونا الذين صوّتوا له ليسوا كلهم عنصريين، وإلا لكانت أميركا على شفير حرب أهلية، فهناك تيارات داخل الحزب الجمهوري بعيدة عن العنصرية، وهي من نمط اليمين التقليدي ليس أكثر، وهناك المستفيدون من قضية النمو الاقتصادي وأسواق الائتمان والتأمين التقاعدي خلال ولاية ترامب. وهذا يدل على أن هؤلاء تصرّفوا بدافع المصالح الاقتصادية، وليس من منطلقات أيديولوجية. وسيكون من مهام الرئيس المنتخب، جو بايدن، أن يولي عناية خاصة بهؤلاء لجسر الهوّة، كما يفعل عادة الرؤساء الذين يقدّمون أنفسهم موحدين يعملون على أساس المواطنة المتكافئة.

مطلوبٌ من أميركا أن تعيد تذكير العالم بالبدهيات، وتبرهن للعالم أنها دولة مؤسسات، بعد أن حوّلها ترامب إلى مزرعة خاصة، تحكمها وتتصرّف فيها العائلة. والمثال البليغ على ذلك أنه بينما كانت الولايات المتحدة تحبس أنفاسها بانتظار إعلان نتائج الولايات المتأرجحة كان ترامب في منتجعه يلعب الغولف.